Back to homepage
 

...جئنا مع مار يوحنا مارون ولن نذهب إلا معه


...جئنا مع مار يوحنا مارون ولن نذهب إلا معه


«نُحييك أباً عنيداً وراعياً متفانياً، نحييك خادم الهيكل بكرامة وحارس الوديعة بأمانة، نحييك أرزة حيّة صلبة قوية تتهاطل عليها الثلوج فتصلخ منها غصناً وتهبّ العواصف عنيفة فتبعثر أكوازها، لكنها صامدة عميقة الجذور وارفة الغصون، تمتد اليها الأيادي ليأخذ منها البعض بركة أو ينهل منها نبض سلطة روحية.. لكنّها واقفة هادئة رصينة. نتمنّى لك طول العمر ودوام الصحة ومتابعة فرش غصون حكمتك وبُعد نظرك لقيادة الرعية حتى يخفّ ثقل الثلوج وتعتدل موجات العواصف التي يعرفها الجبل وأنهره، وتتمرجح بها أغصان الأرزة فلا تتساقط لسنين عديدة، لذلك أعطي مجد لبنان».


منذ مجمع خلقدونية سنة 451 تعرّض الموارنة لأقصى الإضطهادات حتى الإستشهاد بسبب إنتمائهم للبابوية في روما ولمجمع خلقدونية وعدم إعترافهم بالمشيئة الواحدة التي كان قد أمنوا بها اليعاقبة. ان رهبان مار مارون كانوا من أخصّ المتمسكين بتعليم المجمع الخلقدوني.

وبينما كان الشرق يتمخّض بالحروب والإنقسامات وعندما كان الموارنة يتحمّلون في سبيل عقيدتهم الإيمانيّة أشدّ الإضطهادات حتى استشهد 350 راهباً منهم فقد استطاعوا الموارنة أن ينشئوا البطريركية المارونية ويقيموا عليها البطريرك الأول يوحنا مارون سنة 686 وهذا ما يدعو إلى الغرابة والدهشة كيف أن هؤلاء الموارنة استطاعوا القيام بذلك في تلك الحقبة الصعبة من التاريخ!


إن لبطريركيتينا قد أعطي مجد لبنان ،لبنان الكتاب المقدس وارزه ، ليس لأنها مقاتلة وعامله في السياسة وكانت وراء تأسيس دولة لبنان الكبير فقط ،لا بل لإنها الكنيسة المتمسكة من قورش حتى قاديشا والمحتفلة بالذبيحة على سفوح جبل لبنان التي حولتها كلها إلى هياكل الله الواحد ونحن هنا شهود على ذلك ،كنيستنا كنيسة مار يوحنا مارون ،الذي ولد في قرية سروم القريبة من انطاكية فتربى تربية مسيحية وتثقف في مدارس انطاكية ، ثم في القسطنطينية وبعد وفاة والده عاد إلى انطاكية ثم مضى إلى دير مار مارون على شاطئ العاصي ، ولبس ثوب الرهبانية ورقي إلى درجة الكهنوت،وقد جاء في تقليد طائفتنا إن هذا البطريرك ذهب إلى روما وإن البابا سرجيوس رحب به ووشحه بيده درع الرئاسة السامية.كان هذا القديس مجاهداً في سبيل شعبه يعنى بالمرضى والفقراء منهم ويبني الكنائس والديورة ويوصيهم بالثبات في ايمانهم الكاثوليكي ،إلى أن نقله الله إلى الإخدار السماوية في 2 شباط سنة ٧٠٧.


وعلى مر عصور عدة وفي ظل إتهاض المسيحين حفروا الموارنة في الجبال كنائس وأديرة وفي القلوب إيمان ومحبة ،من مار يوحنا مارون إلى البطريرك دويهي ألذي إنتخب بطريرك عام ١٦٧٠ الغزير الإنتاج والداعم للثقافة والعلوم بمجالات شتى، وخلال عهده تحولت الرهبنة المارونية من أديار متفرقة وغير ممأسسة،إلى مؤسسة لها قوانينها وأنظمتها، وذلك عام 1694 على يد أربع شباب موارنة من مدينة حلب، انطلقوا من الدير الأم وهو دير مرت مورا قرب إهدن إلى مختلف مناطق لبنان والعالم.


ولعب البطاريرك الموارنة دوراً كبيراً في قيام دولة لبنان الكبير مع البطريرك إلياس الحويك ،وكما لعبوا دوراً كبيراً في الاستقلال الأول عام 1943 خلال عهد البطريرك أنطوان عريضة الذي خلف إلياس الحويك على كرسي بكركي عام 1932، وقد شهد الاستقلال ميلاد ما يعرف باسم "الميثاق الوطني" الذي ضمن أن يكون رئيس الجمهورية مارونيًا، كذلك حصل الموارنة على عدد من المناصب المهمة في إدارة الدولة، كقائد الجيش ومدير مخابرات الجيش وحاكم مصرف لبنان ومدير الأمن الداخلي (لاحقًا حوّل للطائفة السنيّة) وربع الحقائب الوزرايّة بالمداورة.


انتخب مار نصر الله بطرس صفير بطريركًا في أيار من سنة 1986، وصدر عن البطريركية المارونية عام 1992 كتاب القداس الماروني بعد أربعمائة عام على صدور النسخة الأولى منه،تلاه السينودس من أجل لبنان الذي دعا إليه البابا يوحنا بولس الثاني خلال زيارته إلى لبنان في العام 1997، وأعلنت قداسة الراهبة المارونية رفقا الريّس عام 2000 ثم الراهب نعمة الله كسّاب الحرديني عام 2001، وكان الموارنة قد احتفوا بشربل قديسًا العام 1965، وغدت عنايا مركز حج لموارنة العالم كافّة، ثم رعى البطريرك مصالحة الجبل عام 2000، وافتتح سلسلة زيارات لبلاد الانتشار الماروني،وعقدت خلال عام 2004 الدورة الأولى للمجمع البطريركي الماروني الذي استمرت أعماله ثلاث سنوات، ناقش خلالها إحدى وعشرين قضية تهم الكنيسة في ثلاث ملفات.


وأعلن عام 2010 عامًا يوبيليًا لمار مارون لمناسبة مرور 1600 سنة على وفاته وانطلاق المارونية، حين تروى سيرة البطاركة الموارنة ستكتب صفحات طويلة عن حبرية صفير. فخلال 25 سنة، من اصعب السنوات في تاريخ لبنان المعاصر، حمل صفير امانة كرسي انطاكية وسائر المشرق. وقف احيانا كثيرة وحيدا يدافع عن كل ما يختزنه «الوجدان الماروني».


حارب وحورب من جميع ابنائه تقريبا وبقي على مواقفه. هم كانوا يقتربون او يبتعدون بحسب اهوائهم السياسية. اما هو فاختار الا ينكسر. في ازمنة الخوف والدعوة الى التقوقع والانعزال كان يتمسك بالعيش المشترك. في فترة «الوصاية» كان الصوت الصارخ في برية الاستقلال.


في عهد الهجرة والنزوح لحق بأبنائه الى آخر الدنيا الى اميركا وأستراليا وأفريقيا والاتحاد السوفياتي كما الى مصر والاردن والجزائر. لكنه لم يزر سوريا مرة، وهي الجار الاقرب. ظّل يشير الى «اطماعها» بلبنان وأنها لا تتعاطى معه كوطن مستقل ذي سيادة. وعلى الرغم من مطالبته بأفضل العلاقات معها الا ان شرطه الدائم كان احترامها للبنان وعدم التدخل بشؤونه، وهو ما لم يقتنع به حتى اليوم. ولبنان هو عشق صفير الثاني بعد الحرية.


كانت مرارته الدائمة ان المسيحيين لا يقدرون هذا البلد وتضحيات آبائهم ليتنعموا هم بهذا الكيان ـ الحلم. وكان يشعر بحزن مماثل لعدم معرفة المسلمين قيمة هذا البلد - الرسالة. ومع ذلك ظل يراهن على لحظة ما تجمعهم حول هذا الوطن.


توسعت كنيسته وانتشرت على امتداد العالم. انشأ ابرشيات جديدة في قبرص وحيفا والمكسيك والارجنتين ولوس انجلس. اصبح الموارنة خارج لبنان أضعاف من هم في داخله. لبنان الذي يعرفه تغيّر، ومع ذلك بقي يحتل منه القلب والعقل. قال «ان الموارنة في خدمة لبنان وليس لبنان في خدمة الموارنة» وأدرج ذلك في توصيات المجمع البطريركي الذي هو احد انجازاته. فيه اجرت الكنيسة مراجعتها النقدية لمرحلة طويلة، لا سيما سنوات الحرب، ورسمت خارطة طريق لمراحل مقبلة.


قبل ان يبلغ واحدا وتسعين عاما في ايار المقبل سيكون صفير قد ترك سدة البطريركية بعد 25 عاما على تبوئها. واحد وتسعون عاما قضى معظمها «حارثا في حقل الرب» كما اختار. فالابن الوحيد لمارون وحنة تسلل الى الدير حيث كنزه وقلبه. وهناك انهمك في الدراسة والعمل وحمل الاسرار الى ان انتخب بطريركا في 19 نيسان 1986 فارتجل كلمة قال فيها «انتخبتموني بطريركا اي رأسا وأبا وآليتموني شرفا اثيلا وحملتموني صليبا ثقيلا. انتخبتموني ولست بألمعكم ولا بأعلمكم ولا بأقدركم ولا بأوجهكم، لكنها إرادة الله». ومنذ لحظة الارتجال تلك لفتت فصاحته وقدراته اللغوية الأنظار. فأستاذ الفلسفة واللغة العربية، يحب هذه اللغة. يتقن ستاً غيرها لكنها الاحب الى قلبه. لا يخطئ في الارتجال ويستعين احيانا بكلمات تحتاج من العامة العودة الى القواميس.


كثيرة هي مميزات السادس والسبعين على كرسي انطاكية. كثيرة هي انجازاته. لكن لنصر الله صفير عثراته ايضا. فالكنيسة تحتاج الى الكثير: الى اعادة مأسسة وخلق دوائر نشيطة وإشراك اكبر للعلمانيين. تحتاج الى رعاة قريبين من هموم الناس ومن اوجاعهم ومن ترجمة عملية لتوجهات المجامع الكنسية من الفاتيكاني الثاني الى اليوم. بكركي ايضا تحتاج الى ضخ الروح في هيكليتها كما الى احتضان اوسع لكل ابنائها.


ومع ذلك يمكن لصفير ان يسير الى تقاعده مرتاحا الى تسليم الامانة. فهو لم يفرط بوزناته، لا بل ضاعفها وصعّب على خلفه التنازل او التفريط بأي منها. هكذا استمرت المسيرة واستمرت القضية "وما من شعب يحيا بدون قضية ،فكيف نسمح بأن تغيب عن قضيتنا المارونية التي نالت من تاريخنا التضحيات الجمة " هذه كلمات صفير هذا الصديق الذي كالنخل يزهر ومثل أرز لبنان ينمي ، تلك حبة الحنطة التي وقعت في التربة الانطاكية لتنمو وتخصب في بلاد الشرق والعالم في عيد مار يوحنا مارون إلى البطريرك صفير لا وداعاً بل شكراً إذهب بسلام وصلي عنا...برخ مر ريش ريشونه (بارك يا سيد يا رئيس الرؤساء).



جورج فاخوري | alamiya
2011 - آذار - 03

Facebook    Tweet
   

المواد المتوفرة في الموقع تحت رخصة المشاع الإبداعي
تواصلوا معنا عبر   HyperLink   HyperLink
من نحن   |   إتصل بنا   |   شروط التعليق   |   وظائف شاغرة   |   للاعلان معنا
   
  تم تصميم وتطوير الموقع من قبل شركة ايتيك