Back to homepage
 

حين يفتح الراعي باب اسطنبول والقسطنطينية


حين يفتح الراعي باب اسطنبول والقسطنطينية


زيارات مكّوكية يقوم بها أحبار الكنائس المشرقيّة إلى كلّ من قبرص وتركيا، وفي المقبل من الأيّام، إلى أوروبّا والولايات المتّحدة. فثمّة من يدقّ ناقوس الخطر وهناك من يقترح «خطوات بناء الثقة»، لكنّ همّهم هو تثبيت أفراد رعاياهم في أرضهم وتاريخهم في ظلّ التحوّلات الجارية في المنطقة، وتمتين الجسور التي تجمعهم مع شركائهم في الوطن.


يبدو أنّ أحبار كنائس إنطاكية وسائر المشرق يعوّلون إلى حدّ بعيد على الرئاسة المقبلة للاتّحاد الأوروبّي التي ستتولّاها قبرص للمرّة الأولى، بدءاً من الأوّل من تمّوز المقبل لمدة ستة أشهر، بغية توعية أصحاب القرار في القارّة القديمة على بعض المنزلقات التي قد تودي بها "السياسات الكبرى" بوجودهم ومستقبلهم في مهد الكنيسة الأولى وأرض الأجداد.


فالاستنفار اللافت لدى أحبار الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية، سواء لدى السلطات القبرصية أوالتركية السياسية والدينية، في هذه الفترة الحاسمة من تاريخ المنطقة، يتمحور على خطّين متوازيين:


أوّلاً، العمل على تشجيع بناء دولة المواطنة، حيث يفصل الدستور العتيد بين الدولة والدين ويساوي بالتالي بين حقوق المواطنين وواجباتهم ويحافظ على التنوّع والتعدّدية في النصوص والنفوس.


ثانياً، دقّ ناقوس الخطر إزاء مفاعيل التقديرات والرهانات التي تسوّق لوصول "الإسلام السياسي" إلى السلطة، على ضوء التجربة المصرية خصوصاً، وما يمكن أن تجرّ على أوضاع المسيحيّين في كلّ من سوريا ولبنان.


وإذا استعدنا ما قاله رئيس جمهورية قبرص ديميتريس كريستوفياس الذي يعمل على تحويل فترة رئاسة بلاده للاتّحاد الأوروبّي "قوّة مولّدة للتقدّم والسلام والاستقرار والإزدهار على الساحة الدولية"، وترجمتها في العمل السياسي في إعلاء شأن "قيم العدالة والمساواة بين المواطنين، والتسامح وتعدّدية الأفكار التي يجب أن ترشد عملنا داخل الاتّحاد الأوروبّي وخارجه"، نجد أنّ ثمّة قواسم مشتركة يمكن أن يستند إليها أحبار الكنائس المشرقية للولوج مرّة جديدة من باب الاتّحاد الأوروبّي الذي بدأ يعيد تقويم سياساته حيال "الربيع العربي" وتحدّياته.


ولقد جاءت قمّة رؤساء الكنائس الأرثوذكسيّة في الشرق الأدنى التي عُقدت قبل أيّام في نيقوسيا، في هذا السياق، حيث "كانت إراقة الدماء في سوريا وضرورة الدفاع عن المسيحيّين في هذا البلد وفي لبنان أيضاً في صلب المناقشات"، حيث تطرّق البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم، بطريرك إنطاكية وسائر المشرق، إلى "المشكلات الجدّية التي يواجهها المسيحيّون في لبنان وسوريا، مشدّداً على ضرورة مساعدة الأسرة الدوليّة". فيما أكّد ديميتريس دولليس، نائب وزير الخارجية اليوناني، الذي شارك في الاجتماع، أنّ "بلاده كانت الوحيدة بين الدول الأوروبّية التي حاولت دعم الطوائف المسيحيّة في المنطقة".


من جهته، اقترح رئيس أساقفة قبرص المطران خريزوستوموس تشكيل وفد من الكنائس الأرثوذكسية في الشرق الأوسط للذهاب إلى بروكسيل والولايات المتّحدة الأميركية لتوعية أصحاب القرار الدولي على مصير مسيحيّي سوريا ومستقبلهم.
هذه الخطوات السياسية العملية على صعيد الرئاسة القبرصية للاتّحاد الأوروبّي، وكذلك في أوساط ال


وبي اليوناني عشيّة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتّحدة ، تلاقت مع ما قام به كلّ من بطريرك إنطاكية للروم الكاثوليك غرغوريوس الثالث لحّام في كلّ من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والفاتيكان قبل نحو عشرة أيّام، وبطريرك إنطاكية وسائر المشرق للموارنة بشارة الراعي في تركيا، حيث التقى السلطات في أنقرة واسطنبول والبطريرك الأرثوذكسي المسكوني برتلماوس الأوّل.


وإذا كانت هذه الزيارة بشقّيها السياسي والديني لافتة حيث مكّنت الراعي من فتح أبواب اسطنبول والقسطنطينيّة في آن، فإنّه عرض للرئيس التركي عبدالله غول ورئيس وزرائه رجب طيّب أردوغان ووزير خارجيته أحمد داود أوغلو "خطوات لبناء الثقة" من شأنها استكشاف مدى تجاوبهم قبل "فتح حوار سياسي مباشر" معهم كأقطاب في حزب "العدالة والتنمية" الحاكم. الأمر الذي يستجيب جزئيّاً لدعوات بعض العواصم الغربية المعنيّة في تسويق "النموذج التركيّ من حكم الإخوان المسلمين" على العالم العربي، ولا سيّما في سوريا.


وكان لاختيار أعضاء الوفد البطريركي رمزية تنبئ بفحوى النقاش، إذ شارك فيه راعي أبرشية حلب المطران أنيس أبي عاد وراعي أبرشية قبرص المطران يوسف سويف، فضلاً عن النائب البطريركي العام المطران بولس صيّاح. ذلك أنّ البطريرك الراعي طرح أربع قضايا من باب "خطوات بناء الثقة":
إستعادة الموارنة في تركيا لأوقافهم وأراضيهم، وضمان عودة القبارصة الموارنة إلى قراهم الأربع في القطاع التركي الشمالي من الجزيرة بعدما هجروا منها عقب 1974 واستعادة أراضيهم، وإطلاق مبادرة حيال الأرمن الذين تعرّضوا إلى مجازر في بداية القرن الماضي، وإنشاء مركز للبطريركيّة المارونية في إنطاكية.


ولم تقف المناقشات عند حدّ هذه "الخطوات"، بل تعدّتها إلى الحوار بين الأديان وقضيّة استقرار المنطقة عموماً، وسوريا ولبنان خصوصاً، على قاعدة أنّ "الدولة التركية تفصل تماماً بين الدين والدولة وتقرّ بالحرّية الدينية وتتبع النظام الديموقراطي، وتقدّر الحضور المسيحي فيها وفي بلدان الشرق الأوسط، كعنصر سلام واستقرار، وناقل للقيم الروحية والإنسانية، وقيم الحداثة والترقّي والديموقراطية والمساواة في العيش المشترك. ومن هذا المنظار وسواه، تستطيع تركيا أن تقدّم نموذجاً للربيع العربي المنشود"، على حدّ قول الراعي. وكان البطريرك الماروني قال ردّاً على سؤال في ختام زيارته إلى تركيا، حول التخوّف على مصير المسيحيّين وتكرار السيناريو التونسي أو المصري وحلول أنظمة متشدّدة: "إنّ ما صدر من وثائق وبيانات، وما سمعناه أخيراً يطمئن من جهة تطابقه مع اقتناعنا بوجوب فصل الدين عن الدولة واحترام الحرّيات العامّة والتنوّع الديني في ظلّ نظام ديموقراطي، وهذا ما توافقنا به في الرأي مع السلطات التركية". واللافت أنّ الراعي ركّز أكثر على المنظومة العلمانية للدولة التركية، متفادياً الخوض في تأييد أو رفض سياسة الحكومة التركية الحاليّة واستراتيجيتها في المنطقة وفي سوريا. ولعلّ اللقاء الذي أجراه مع بطريرك القسطنطينية الأرثوذكسي المسكوني برتلماوس الأوّل، دخل في عمق النقاش الدائر حيث "أبدى قلق الكنيسة الأرثوذكسية على وضع المسيحيّين في الشرق، آملاً في أن يحقّق الربيع العربي ظروفا جيّدة للمسيحيّين، وإلّا فإنّ هذا الربيع سيتحوّل شتاءً". وهو ما يتطابق مع مقاربة الراعي.


ولم يتأكّد لدينا ما إذا كان برتلماوس الأوّل وضع الراعي في صورة الوثيقة (من 18 صفحة) التي سلّمها إلى لجنة برلمانية تركية تنظر في إعادة صياغة الدستور، حيث "طالب فيها بالاعتراف بالأقلّيات الدينية مواطنين متساوين مع غيرهم لتجاوز أعمال التمييز والظلم التي لحقت بهم، واحترام حقوق الإنسان وخصوصاً حرّية الأديان والمعتقد، وحقّ رجال الدين غير المسلمين وكذلك المدارس المسيحيّة في تلقّي مساعدات الدولة أسوة بالمسلمين". وإذا كانت جلسة الاستماع هذه لبطريرك القسطنطينية هي مبادرة أولى من نوعها في تاريخ الجمهورية التركية، فلعلّها الخطوة الأولى من الألف ميل في قضية المساواة بين المواطنين من مختلف الأديان في تركيا.



جورج ساسين | الجمهورية
2012 - نيسان - 02

Facebook    Tweet
   

المواد المتوفرة في الموقع تحت رخصة المشاع الإبداعي
تواصلوا معنا عبر   HyperLink   HyperLink
من نحن   |   إتصل بنا   |   شروط التعليق   |   وظائف شاغرة   |   للاعلان معنا
   
  تم تصميم وتطوير الموقع من قبل شركة ايتيك