Back to homepage
 

الاكثر قراءة


لحظة بلحظة

ما سَها عن بال أصدقاء الشرتوني

إنّ إثارة قضية حبيب الشرتوني في هذا التوقيت بالذات الذي أصبح فيه النظام السوري «على لياليه» يثير تساؤلات عدّة من أبرزها: ما الأسباب الكامنة وراء هذه الدعوة المستجدّة للعفو عنه؟ وهل هي خطوة استباقية لإعادته إلى لبنان من سوريا عشيّة سقوط النظام وفي ظلّ الخشية من أن يلاحقه الإنتربول في حال لجوئه إلى أيّ بلد آخر؟ وهل رفع السقف هدفه تحسين شروط التفاوض أم محاولة وضع الجميع أمام الأمر الواقع؟


يفترض بأصدقاء الشرتوني أن يدركوا جملة وقائع وحقائق أهمّها:

أوّلاً، إنّ اغتيال بشير الجميل هو اغتيال لقائد مسيحي انتزع زمام المبادرة السياسية والعسكرية دفاعاً عن الحضور السياسي المسيحي، وبرهن أنّ المسيحيين ليسوا لقمة سائغة في هذا الشرق، وأنّ دورهم ليس البحث عن حماية، إنّما هو تأسيس دولة القانون التي تحمي الجميع.

ثانياً، إنّ اغتيال الجميل هو اغتيال للحلم الذي نجح الرئيس المنتخب في تحويله إلى واقع ومؤدّاه أنّ لبنان التفاعل المسيحي-الإسلامي قابل للحياة، وأنّ اللبنانيين قادرين على بناء الدولة العصرية، دولة القانون والحقّ لا المزرعة والمحسوبيّات.

ثالثاً، إنّ اغتيال الجميل هو اغتيال لمشروع وطني-سياسي يعيد الاعتبار إلى لبنان ودوره بعيداً من محاولات ضمّه والهيمنة عليه.

رابعاً، إنّ اغتيال الجميل شكّل منعطفاً سياسيّاً محوريّاً، ما قبله غير ما بعده، حيث تجدّدت مع اغتياله الحرب الأهلية وانتقل المسيحيّون من الموقع الرابح في المعادلة الوطنية إلى الموقع الخاسر.

خامساً، إنّ اغتيال الجميل مكّن السوريين من تجديد هيمنتهم على لبنان مدة 23 سنة إضافية مع كل المآسي والويلات الناتجة عن هذه الهيمنة، بينما لو قُدّر له النجاة لكان الجيش السوري غادر، على الأرجح، بلاد الأرز منذ العام 1982.

إنّ التذكير بهذه الوقائع وغيرها للقول إنّ هذا الاغتيال ليس اغتيالاً عادياً، ويُخطئ مَن يظنّ أنّ باستطاعته التعامل مع هذه القضية على أنّها من مخلّفات الحرب الأهلية وينطبق عليها قانون العفو، فالجميل يمثّل وجدان المسيحيين كما يمثّل رفيق الحريري وجدان السنّة، وأيّ تجاوز لهذا الواقع يعني أنّ أصحابه يمعنون في الاستفزاز والتحدّي...

وأمّا المقارنة بين قضيّتي الجميل ورشيد كرامي فلا تصحّ، لأنّ المنفّذ في الأولى تمّ إلقاء القبض عليه بالجرم المشهود واعترف بجريمته، فيما الطرف الآخر في القضية الثانية تمّ إلباسه إيّاها في زمن حكم المخابرات السورية و"سورنة" المؤسّسات بطولها وعرضها.

وقد يكون كلّ ما تقدّم ليس مهمّاً، إنّما المهم يكمن في كيفية مقاربة الشرتوني وأصدقائه لهذه المسألة، إذ في الوقت الذي يفترض أن تتمّ على قاعدة الاعتذار والإقرار بالخطأ ورميها على السوريين، على سبيل المثال، الذين حرّضوه على القيام بهذه العملية، وتمنّي طيّ صفحة الماضي والخضوع لمحاكمة عادلة تأخذ في الاعتبار مرحلة الحرب وما تبعها وبأنّ أقصى ما يريده العيش بين أهله بعيداً عن العمل السياسي، نرى الشرتوني ومن معه يطالبون بالعدالة على قاعدة أنّ بشير الجميل وصل على الدبّابة الإسرائيلية وأنّ قتله واجب قومي وإلى آخر هذه المعزوفة التي ستنتهي مع انتهاء نظام الأسد في دمشق، فضلاً عن استغلال هذا الاغتيال لتحويل الشرتوني إلى بطل...
هذا المنطق، وبعقل بارد، لن يتيح للشرتوني العودة إلى لبنان لا اليوم ولا بعد مئة سنة، وعليه البحث جدّيا عمَّن يأويه إذا نجا من قبضة الثوّار.

فالمسيحيّون قد يكونون الوحيدين الذي أجرَوا مراجعة لكلّ المرحلة التي سبقت الحرب وتخلّلتها وأعقبتها، وقدّموا اعتذارات بالجملة وبالمفرق، لكنّ هذا لا يعني أبداً أنّهم في وارد السماح أو التساهل حيال أيّ تعرّض لتاريخهم وشهدائهم وثوابتهم ورموزهم، وبالتالي بقدر انفتاحهم على أيّ مراجعة لمسيرتهم وما تخلّلها من أخطاء تكتيّة واستراتيجية، بقدر افتخارهم بكلّ محطة من هذه المحطات إذ وجد أمامهم مَن يعتبر نفسه من "أشرف الناس وأنقاهم".

فلا تمييز بين الشهداء، سواء أَسقطوا في مواجهة السوريين أو الإسرائيليين، أم في الحرب الأهلية؟

يبقى أنّ المعبر الوحيد لعودة الشرتوني إلى لبنان هو الاعتذار والإقرار بخطأ اغتيال بشير الجميل والخضوع لمحاكمة وطلب العفو من نديم الجميل.
شارل جبّور | الجمهورية
2012 - تموز - 27

Facebook    Tweet
   

المواد المتوفرة في الموقع تحت رخصة المشاع الإبداعي
تواصلوا معنا عبر   HyperLink   HyperLink
من نحن   |   إتصل بنا   |   شروط التعليق   |   وظائف شاغرة   |   للاعلان معنا
   
  تم تصميم وتطوير الموقع من قبل شركة ايتيك