في جلسة حكومية كانت مكتملة النصاب، حضر وزراء الطائفة الشيعة، وصوّت وزراء حزب الله وحركة أمل ضد قانون الفجوة المالية، هذا واقع سياسي موثّق في محضر الجلسة، لكنّ المستغرب لم يكن في التصويت، بل في ردّة الفعل. فجأة، قرّرت القوات اللبنانية أن تضع هؤلاء الوزراء أنفسهم في لائحة شرف"، فقط لأنهم قالوا "لا" في اللحظة نفسها التي قالت فيها القوات "لا".
هكذا، وبلمح البصر، تحوّل من تتّهمه القوات صباحًا بتعطيل الدولة وخطف السيادة، إلى شريك في الشرف مساءً. لا مراجعة سياسية ولا تفسير مبدئي، لا حرج ولا حتى محاولة تجميل. فالمعيار الوحيد أصبح، من يعطّل معنا، فهو شريف ومن يجرؤ على القرار فهو متواطئ.
والأخطر أنّ هذا السلوك ليس حادثًا طارئًا. سبقه تصنيف نواب تغيّبوا عن جلسات مجلس النواب في لوائح شرف" أيضًا. فالغياب صار بطولة والتعطيل صار موقفًا أخلاقيًا، والمؤسسات تحوّلت إلى مسرح للاستعراض لا لممارسة السلطة. في هذا المنطق، لا قيمة للحضور، ولا وزن للتصويت، ولا معنى لتحمّل المسؤولية.
قانون الفجوة المالية، سواء أُقرّ أو رُفض، هو لحظة مواجهة مع الحقيقة، خسائر وقعت ونظام انهار ومسؤوليات يجب أن تُسمّى. من يرفض القانون يملك كامل الحق، لكن بشروط السياسة، بديل واضح، طرح متماسك، وتحمل تبعات الموقف. أمّا تحويل الرفض إلى "نقاء" دون أي مشروع، فليس سياسة، بل شعبوية رخيصة.
المفارقة الفاضحة أنّ القوات، التي تدّعي السيادة، وجدت نفسها تمنح "وسام الشرف" لوزراء من حزب الله وحركة أمل داخل الحكومة نفسها، فقط لأن المصلحة الظرفية اقتضت ذلك. لا مشكلة في الاختلاف، لكن المشكلة في الكذب على الناس. لا يمكن خوض معركة السيادة بشعارات تتبدّل حسب جدول الأعمال.