بدأت في مدينة نيويورك الإجراءات القضائية في القضية الجنائية غير المسبوقة بحق الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض عليهما في كراكاس في 3 يناير الجاري.
ورغم أن مادورو ليس أول زعيم أجنبي يُحاكم أمام القضاء الأميركي، فإن قضيته تُعد استثنائية ومثيرة للجدل سياسياً وقانونياً، في ظل تداخل الاعتبارات القضائية مع أبعاد السيادة والشرعية والنفوذ الدولي.
ولا تزال تفاصيل كثيرة غير محسومة في هذه القضية التي ما زالت في مراحلها الأولى، غير أن لائحة الاتهام المقدّمة إلى المحكمة الفيدرالية في الدائرة الجنوبية لولاية نيويورك تتهم مادورو، إلى جانب زوجته وأربعة متهمين آخرين، بإساءة استخدام مناصبهم العامة على مدى أكثر من 25 عاماً لتهريب كميات ضخمة من الكوكايين إلى الولايات المتحدة.
وُجّهت إلى مادورو أربع تهم أساسية، تشمل التآمر على ما وُصف بـ"الإرهاب المرتبط بالمخدرات"، والتآمر لاستيراد الكوكايين، وحيازة أسلحة رشاشة ومواد تدميرية، إضافة إلى التآمر على حيازتها.
وتشير لائحة الاتهام إلى تعاون مع جماعات مسلحة كولومبية مثل "فارك" و"إلن"، وعصابات مكسيكية أبرزها "كارتل سينالوا"، إضافة إلى عصابة "ترين دي أراغوا" الفنزويلية. وفي حال إدانته، قد يواجه مادورو عقوبة السجن مدى الحياة.
كما تتهم اللائحة زوجته سيليا فلوريس بتلقي رشاوى عام 2007 لتسهيل لقاء بين تاجر مخدرات بارز ومسؤول رفيع في هيئة مكافحة المخدرات الفنزويلية، إلى جانب اتهامات لكليهما بإصدار أوامر بعمليات خطف وقتل بحق أشخاص على صلة بملفات تهريب المخدرات.
وتُعد لائحة الاتهام الحالية تطويراً لاتهام سابق صدر عام 2020، تحدث صراحة عن قيادة مادورو لما يُعرف بـ"كارتل الشمس"، وهو مصطلح يشير، وفق خبراء، إلى شبكة فساد داخل مؤسسات الدولة. إلا أن لائحة عام 2026 تراجعت عن توصيف الكارتل كمنظمة، واكتفت بوصفه "نظام محسوبيات"، في تباين واضح مع الخطاب السياسي العلني للإدارة الأميركية.
وتضم القضية متهمين إضافيين، من بينهم نجل مادورو نيكولاس إرنستو مادورو غويرا، وزعيم عصابة "ترين دي أراغوا" هيكتور روثينفورد غيريرو فلوريس.
ويرأس المحكمة القاضي الفيدرالي ألفين هيلرستين، البالغ من العمر 92 عاماً، والمعروف بأحكام سابقة عارضت سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب. وتتولى النيابة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من نيويورك الادعاء بقيادة المدعي العام جاي كلايتون.
أما الدفاع، فيتولاه المحامي الأميركي المخضرم باري بولاك عن مادورو، فيما تمثل المحامية مارك دونيلي زوجته فلوريس.
وخلال جلسة التمثيل الأولى في 5 يناير، دفع مادورو وفلوريس ببراءتهما من جميع التهم. وقال مادورو عبر مترجم: "أنا بريء… وما زلت رئيس بلادي". وحددت المحكمة 17 مارس موعداً للجلسة المقبلة، مع تعهّد القاضي بضمان محاكمة عادلة.
ويواجه الادعاء تحديات كبيرة، إذ يشير خبراء قانونيون إلى أن الحكومة الأميركية لم تقدّم حتى الآن أدلة علنية قوية تثبت تورط مادورو المباشر في تهريب المخدرات، كما أن التناقض بين التصريحات السياسية ولائحة الاتهام قد يُضعف موقفها لاحقاً. كذلك، قد يؤدي الاعتماد على أدلة مصنّفة سرية إلى تعقيد الإجراءات وإطالتها.
ويُعد ملف الحصانة السيادية أحد أول الاختبارات القانونية في القضية، إذ يطعن فريق الدفاع في قانونية محاكمة رئيس دولة جرى توقيفه بالقوة خارج أراضي بلاده.
وفي ظل هذه التعقيدات، تبقى قضية مادورو اختباراً قانونياً وسياسياً نادراً، تتقاطع فيه العدالة الجنائية مع أسئلة السيادة والشرعية وحدود النفوذ الأميركي خارج حدوده.