في هذا السياق، اعتبر الكاتب والمحلّل السياسي علي حمادة، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أنّ التصعيد الإسرائيلي لم يكن عشوائيًا ولا معزولًا، بل جاء في إطار رسالة سياسية–عسكرية واضحة المعالم، موجّهة إلى الداخل اللبناني قبل الخارج.
ثلاث مناطق… ورسالة واحدة
يشير حمادة إلى أنّ الغارات توزّعت على ثلاث ساحات أساسية:
• جنوب الليطاني،
• شمال الليطاني وصولًا إلى المنطقة الواقعة بين الليطاني والأولي على تخوم صيدا،
• والبقاع، ولا سيّما محيط بريتال والمناطق القريبة من الحدود السورية.
وبرأيه، فإن اختيار هذه الجغرافيا في هذا التوقيت يُشكّل ردًا إسرائيليًا مباشرًا على بيان الجيش اللبناني، وعلى المواقف السياسية الداعمة له، سواء من رئيس الجمهورية جوزاف عون، أو من رئيس مجلس النواب نبيه بري، أو من رئيس الحكومة نواف سلام، إضافة إلى ما ورد في تقرير الجيش إلى مجلس الوزراء والبيان الحكومي اللاحق.
المرحلة الأولى… والمرحلة الغائبة
يلفت حمادة إلى أنّ الخطاب الرسمي اللبناني ركّز حصريًا على "المرحلة الأولى" جنوب الليطاني، والتي قيل إنها حقّقت أهدافها من حيث تعطيل استخدام المنطقة كنقطة انطلاق لأي عمل عسكري، من دون إعلان واضح بانتهائها الكامل، أو التأكيد على مصادرة كل السلاح أو استحالة عودة الجماعات المسلحة.
الأهم، بحسب حمادة، أنّ المرحلة الثانية، الممتدة من الليطاني إلى الأولي، غابت بالكامل عن كل البيانات الرسمية. حتى الجيش، حين تحدّث عن تقييم شامل للمرحلة الأولى، لم يُسمِّ المرحلة الثانية صراحة، بل تركها في إطار ضبابي مرتبط بنتائج التقييم وخطط لاحقة غير مُعلنة.
توصيف "الجماعات المسلحة" ورسائله
ويعتبر حمادة أنّ توصيف الجيش لأي قوة مسلّحة خارج سلطته بـ"الجماعات المسلحة" لم يكن تفصيلاً لغويًا، بل رسالة سياسية مقصودة:
• رسالة إلى المجتمع الدولي،
• ورسالة تُرضي الأميركيين والإسرائيليين،
• ورسالة تلقى قبولًا لدى شريحة واسعة من الرأي العام اللبناني، رغم اعتراض جمهور حزب الله عليها واعتبارها مسًّا بتوصيف "المقاومة".
دلالات الغارات: رسالة ثلاثية الأبعاد
بحسب حمادة، تحمل الغارات الأخيرة رسالة مركّبة بثلاثة أبعاد:
الضغط جنوب الليطاني للتأكيد أن إسرائيل لا تعتبر أن المنطقة "نُظّفت" بالكامل، وتشكّك بإعلان تحقيق أهداف المرحلة الأولى.
التمدد شمال الليطاني لإيصال فكرة أن النار لم تعد محصورة بجغرافيا محددة، وأن أي منطقة قد تكون هدفًا.
الضرب في البقاع لتكريس معادلة مفادها أن أي وجود سلاح لحزب الله، في أي مكان، بات ضمن بنك الأهداف، في انسجام مع قراءة إسرائيلية لاتفاق وقف النار والقرارات الدولية تقوم على نزع السلاح من كامل الأراضي اللبنانية.
بين العجز والحذر السياسي
يختم حمادة بالإشارة إلى انقسام داخلي لبناني حيال هذا الواقع: فريق يعتبر أنّ الدولة بلغت الحدّ الأقصى لما تستطيع فعله من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية خطِرة مع حزب الله وجمهوره، قد تُدخل البلاد في فوضى شاملة. في المقابل، يرى آخرون أنّ هناك تراجعًا سياسيًا مقنّعًا، وأن السلطة تنتظر ضغوطًا خارجية أو وقائع ميدانية تفرض الحلول بدل اتخاذ قرارات صدامية ذات كلفة داخلية عالية.
وبين هذين الخيارين، يبدو المشهد اللبناني، وفق قراءة حمادة، محكومًا بإدارة أزمة أكثر منه بحلّها، فيما الرسائل الإسرائيلية بالنار لا تزال أعلى من كل البيانات.