أكد وزير العدل عادل نصار، في حديث إلى برنامج "حوارات السراي" عبر "تلفزيون لبنان"، أن اعتراضه على تعيين غراسيا القزي مديرًا عامًا للجمارك لم يكن نابعًا من موقف شخصي، بل استند إلى اعتبارات تتصل بعدم ملاءمة التوقيت، في ظل استمرار ملفات قضائية حساسة، ولا سيما ملف انفجار مرفأ بيروت.
وأوضح أن قرينة البراءة تبقى قائمة، وأن أي قرار وزاري لا يؤثر سلبًا أو إيجابًا على مسار التحقيقات القضائية، مؤكدًا استقلالية القضاء في اتخاذ قراراته من دون أي تدخل من السلطة التنفيذية. ولفت إلى أن اعتراضه على التعيين كان لعدم الملاءمة وليس لوجود أي عائق قانوني، مشيرًا إلى أن مجلس الوزراء اعتبر بالأغلبية أن التعيين جائز، وأن القرار إداري مستقل ولا يهدف إلى رد اعتبار أو التأثير على أي ملف قيد التحقيق.
واعتبر أن تحركات أهالي ضحايا المرفأ، على الرغم من مشروعيتها الإنسانية، لا يجب أن تُفسَّر على أنها تغيير لمسار العدالة أو تدخل في سير التحقيقات. وفي ما يتصل ببناء الدولة، رأى أن السيادة الوطنية وحصر القوة بيد السلطات الرسمية يشكلان ركيزتين أساسيتين، مشددًا على ضرورة خضوع جميع المواطنين للقانون من دون استثناءات، وعلى أن قيام الدولة بشكل مكتمل يقتضي حصر القوة القانونية بالمؤسسات الرسمية، في سياق معالجة تراكمات سياسية وأمنية امتدت لعقود.
وأكد التزام الدولة بالعدالة والمساواة أمام القانون، بما في ذلك في مواجهة ظواهر الانفلات والسلاح غير الشرعي. وعن استقلالية القضاء، أوضح أن القانون الجديد منح الجسم القضائي دورًا أوسع في التعيينات والتشكيلات، وقلّص قدرة السلطة التنفيذية على التدخل، معتمدًا على المهنية والكفاءة والنزاهة بعيدًا من المحاصصة السياسية، معتبرًا أن هذا القانون يشكّل مرحلة جديدة في تعزيز استقلالية القضاء، وأن العمل القضائي مستمر وموضوعي رغم التحديات اللوجستية وصعوبات قصور العدل.
وأشار إلى جهود وزارة العدل لتسريع المحاكمات عبر تشغيل قاعة محاكمة ملحقة بسجن رومية وتقليل التأخير في حضور الموقوفين، موضحًا أن هذه الإجراءات لا تمسّ حقوق الدفاع أو أصول المحاكمات، بل تهدف إلى رفع نسبة انعقاد الجلسات من 33٪ إلى 88٪. كما شدد على متابعة ملفات الجرائم الكبرى، بما فيها الاغتيالات السياسية، بالتنسيق مع جهات خارجية عند الحاجة، لضمان الوصول إلى نتائج فعلية.
وتطرق إلى ملف الإفراج عن هنيبعل القذافي، مؤكدًا أن القرارات القضائية تتسم بالحكمة والحيادية، وأن العمل القضائي شهد تطورًا ملموسًا منذ توليه الوزارة، مع تعزيز آليات الرقابة عبر هيئة التفتيش القضائي المستقلة التي تراقب الالتزام بالمعايير المهنية والنزاهة وتُبعد السياسة عن عمل القضاء.
وشدد على أن موعد صدور القرار الظني في ملف انفجار مرفأ بيروت مرتبط حصراً باستكمال التحقيقات القضائية، بعيدًا من أي ضغط إعلامي أو شعبي، لافتًا إلى أن القضاء يعمل وفق توقيته الذي تحكمه المعطيات والملفات لا التوقعات. وأوضح أنه منذ توليه مهامه تعهد بتقديم كل الدعم اللازم للمحقق العدلي القاضي طارق البيطار ضمن صلاحيات وزارة العدل، وهو ما يتم عبر متابعة الطلبات القضائية، ولا سيما الاستنابات إلى الخارج، وبذل الجهود لتسهيل الحصول على المعلومات المطلوبة، مع الإشارة إلى أن تأخر بعض الإجابات من دول أجنبية ينعكس على مسار التحقيق ولا يمكن تجاوزه بعامل الوقت.
وأكد أن القاضي البيطار يعمل بجدية ودقة ومن دون تردد، وأن التعاون القضائي الدولي شهد تطورًا ملحوظًا، بدليل زيارة وفد قضائي فرنسي إلى لبنان وعقده اجتماعات مع المحقق العدلي وتبادل المعلومات معه، معتبرًا أن ذلك يعكس تغيرًا في واقع القضاء اللبناني الذي بات أكثر قدرة وجرأة. ورأى أن ما تحقق يشكّل مؤشرًا على تحول تدريجي في أداء العدلية رغم التراكمات الكبيرة.
وشدد على أن الهدف لا يقتصر على صدور القرار الظني، بل يتعداه إلى استكمال المسار القضائي كاملًا عبر إحالة الملف إلى المجلس العدلي وصولًا إلى المحاسبة، مؤكدًا أنه لا حماية سياسية لأحد ولا أحد فوق القانون، وأن جريمة انفجار المرفأ كارثة إنسانية ووطنية لا تستعيد الدولة ثقة مواطنيها من دون كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.
وفي ما يخص ملف السجناء السوريين في السجون اللبنانية، أشار إلى أن المفاوضات مع الجانب السوري تقنية بحتة، تراعي سيادة الدولتين واحترام القوانين والإجراءات الدستورية، بعيدًا من الضغوط السياسية أو الإعلامية، لافتًا إلى أن التواصل كان إيجابيًا وموضوعيًا، وأن العمل انصبّ على إعداد نص اتفاقية لنقل المحكومين السوريين لمتابعة تنفيذ أحكامهم في بلادهم. وبيّن أن الاتفاقية تميّز بين فئتين: المحكومون بأحكام مبرمة يمكن نقلهم من دون مصادقة مجلس النواب، والملاحقون أو من لم تصدر بحقهم أحكام نهائية، وهؤلاء يحتاج نقلهم إلى موافقة تشريعية، مؤكدًا أن ذلك لا يعني عفوًا عامًا، لأن العفو من صلاحية مجلس النواب حصراً.
وتطرق إلى ملف المفقودين اللبنانيين في سوريا، معتبرًا أنه ملف إنساني ووجداني بامتياز، ويجري العمل عليه عبر لجنة المخفيين قسرًا وبالتنسيق مع الجهات الدولية، مع السعي إلى تذليل العقبات للوصول إلى نتائج واضحة. وفي الشأن الانتخابي، أكد أن التحضيرات للانتخابات النيابية جارية، وأن وزارة العدل باشرت إعداد لوائح القضاة المشرفين على لجان القيد، مشددًا على أن الاستحقاقات الدستورية يجب أن تحصل في مواعيدها.
وأعرب عن قناعته بضرورة تمكين اللبنانيين غير المقيمين من التصويت لكامل أعضاء مجلس النواب، أي 128 نائبًا، أسوة بانتخابات 2022، معتبرًا أن أي نقاش يجب أن ينطلق من مصلحة المجتمع اللبناني لا من الحسابات السياسية الضيقة، ومؤكدًا أن الديموقراطية وُجدت لخدمة المجتمع وأن اللبنانيين في الخارج جزء أساسي من النسيج الوطني.
وفي ما يتعلق بملف الضباط السوريين من النظام السابق الموجودين في لبنان، أوضح أن القضاء اللبناني يتعامل بجدية مع أي استنابات قضائية ترد من الخارج، وتخضع للدراسة القانونية، وعند التأكد من قانونيتها تُحال إلى الأجهزة الأمنية المختصة للتحقق والمتابعة، كما يحصل مع أي استنابة أخرى، لافتًا إلى أن القضاء تعامل فعلًا مع استنابة واحدة أو أكثر في هذا الإطار. وختم بالتأكيد أن معالجة الاستنابات الخارجية من صلاحيات القضاء المختص في وزارة العدل، وأن لبنان يتلقى استنابات من دول عدة ويجري التعامل معها ضمن الأطر القانونية نفسها، احترامًا لسيادة الدولة ومؤسساتها القضائية.