"ليبانون ديبايت"
في ظل النقاشات المتصاعدة حول مشروع موازنة العام المقبل، تتكاثر الانتقادات لغياب الرؤية الاقتصادية والاجتماعية القادرة على إخراج لبنان من أزمته العميقة. وفي هذا الإطار، يقدّم الخبير الاقتصادي أحمد جابر قراءة نقدية في مضمون الموازنة المطروحة، متوقفاً عند نقاط الضعف البنيوية فيها، ومشدداً على أن أي موازنة لا تلامس هموم الناس ولا تحفّز النمو تبقى عاجزة عن أداء دورها الأساسي.
اعتبر جابر في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن "مشروع الموازنة المطروح لا يختلف في جوهره عن الموازنات السابقة"، مشيراً إلى أنه "لا يتضمّن تغييرات أساسية قادرة على الاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها اللبنانيون اليوم".
وأوضح جابر أن الناس تبحث اليوم في الموازنة عن بعدها الاجتماعي والاقتصادي، متسائلاً عمّا إذا كانت قد أعطت أولوية حقيقية للإنفاق الاستثماري بهدف جذب الاستثمارات إلى لبنان، أو ما إذا نجحت في تعديل النظام الضريبي ليصبح أكثر جاذبية للاستثمار.
وسأل: "هل لحظت الموازنة إنفاقاً استثمارياً فعلياً؟"، معتبراً أن الإنفاق الاستثماري يشكّل مدخلاً أساسياً لخلق فرص عمل، ومواجهة البطالة، وتحقيق نمو إنتاجي واقتصادي. وأضاف أن الموازنة، حين تتضمّن أبعاداً اجتماعية واضحة، يمكن أن تساهم في تقليص الفوارق الاجتماعية، ولا سيما عبر اعتماد مبدأ الضريبة التصاعدية، مؤكداً أن هذه هي النقاط التي تهمّ المواطن اليوم، والتي يُفترض معالجتها في أي موازنة جدّية.
وعن التعديلات التي أُدخلت على مشروع الموازنة، رأى جابر أنها لا ترقى إلى مستوى التطلعات، ولا تشكّل التعديلات المأمول منها معالجة المشكلات القائمة أو تعزيز فعالية الموازنة، معتبراً أنها ليست الإصلاحات التي يمكن التعويل عليها لإحداث تغيير فعلي.
وشدّد على، أن الموازنة تشكّل العمود الفقري للاقتصاد، وهي أداة أساسية للتخطيط والرقابة والمساءلة والمحاسبة، محذّراً من تركها حتى اللحظات الأخيرة، إذ إن عدم إقرارها ضمن المهلة الدستورية سيدفع باتجاه إقرارها بمرسوم، على غرار ما حصل في العام الماضي، ما يحرم المجلس النيابي من الوقت الكافي لدراستها بعمق.
وفي هذا الإطار، تساءل جابر عمّا إذا أُعطيت مهلة كافية لإجراء دراسة دقيقة تأخذ في الاعتبار ملف إعادة الإعمار، ولا سيما في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها اللبنانيون، من دون مساكن أو بنى تحتية تحميهم، في ظل الطقس القاسي والأحداث الأمنية الأخيرة في جنوب لبنان، وما نتج عنها من تدمير للمنازل وتشريد للأهالي.
وأضاف، أن الموازنة لم تلحظ هذه الوقائع، ولا حتى التعديلات التي أُقرت، متسائلاً عمّا إذا كانت الموازنة قادرة على التعامل مع أزمات يومية، كإقفال بيروت والمداخل الرئيسية للعاصمة، وما يرافق ذلك من شلل يمتد إلى مناطق أخرى، مؤكداً أن الموازنة الحالية لا تشكّل رافعة لمعالجة هذه الأزمات.
ودعا جابر إلى، موازنة تستجيب للحاجات الاجتماعية والصحية، وتلحظ إعادة إعمار ما دمّرته الحرب الإسرائيلية، مطالباً بموازنة تتجه نحو العدالة الضريبية والضريبة التصاعدية، بما يساهم في إعادة تعزيز الطبقة الوسطى.
كما شدّد على، ضرورة أن تعكس الموازنة نتائج ملموسة على مستوى خفض نسب الفقر التي وصلت إلى نحو 80 في المئة، وتحسين أرقام البطالة، متسائلاً عن دور الموازنة إذا لم يكن لها وظيفة اقتصادية واجتماعية واضحة تُترجم بالأرقام والمؤشرات.
وختم بالقول: إن الموازنة يجب أن تكون أداة لمعالجة الأزمات لا تكريسها، معتبراً أن غياب الرؤية الاقتصادية والاجتماعية الواضحة يفقدها دورها الأساسي في إنعاش الاقتصاد وحماية المجتمع.