كتب وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت مقالًا تحت عنوان: "مكتوب بالحبر، وموقّع بالنار"، تناول فيه مسار الصراع في الشرق الأوسط ومعنى الاتفاقات فيه، منطلقًا من واقع أنّ رفض حقّ إسرائيل في الوجود كدولة يهودية ليس أمرًا جديدًا في العالم العربي، وإن كانت دول عربية عدة قد انتقلت تدريجيًا إلى الاعتراف بشرعيتها. وأشار إلى أنّ دولتين من أصل أربع دول مجاورة لإسرائيل ما زالتا تلتزمان باتفاقات سلام قديمة رغم الاضطرابات، معتبرًا أنّ تغيّر موازين القوى يفرض التساؤل عمّا يجعل الاتفاق “جيدًا” في المنطقة.
ورأى غالانت أنّ تجربة 78 عامًا تُظهر أنّ الاتفاقات وحدها لا تصنع السلام، مستعرضًا الحروب التقليدية الأربع بين إسرائيل والدول العربية في أعوام 1948 و1956 و1967 و1973، حيث سعت الجيوش العربية إلى القضاء على إسرائيل. ولفت إلى أنّ حرب الأيام الستة انتهت بهزيمة عربية وسيطرة إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء ومرتفعات الجولان، ما شكّل صدمة لقادة اعتقدوا أنّ الدولة اليهودية مؤقتة. وأضاف أنّ حرب 1973، رغم عنصر المفاجأة، انتهت بانتصار عسكري واضح لإسرائيل، إذ حاصرت قواتها الجيش المصري الثالث واقتربت من القاهرة ودمشق، ما دفع بعض القادة العرب إلى إعادة النظر في استراتيجياتهم.
وأشار إلى أنّ نتائج تلك الحروب أفرزت مسارين مختلفين. الأول تمثّل في الإقرار باستحالة القضاء على إسرائيل، وهو ما قاد الرئيس المصري أنور السادات إلى زيارة القدس والتوقيع على اتفاق السلام عام 1979، الذي اعتبره غالانت الحدث السلمي الأهم في تاريخ إسرائيل، ثم تبنّت الأردن النهج ذاته في التسعينيات. أما المسار الثاني فكان لجوء أطراف أخرى إلى أقصى أشكال التهديد، سواء عبر السعي إلى أسلحة غير تقليدية، أو عبر الإرهاب بعد الفشل في المواجهة العسكرية التقليدية.
وأوضح غالانت أنّ إسرائيل أظهرت استعدادها لمنع أي تهديد وجودي، مستشهدًا بتدمير المفاعل النووي العراقي عام 1981 والمفاعل السوري عام 2007، وبموقفها من إيران. وفي المقابل، رأى أنّ تحوّل الفلسطينيين إلى أساليب مثل خطف الطائرات والتفجيرات وإطلاق الصواريخ جاء نتيجة إدراكهم أنّ الجيوش العربية لن تحقق لهم أهدافهم، ما أدخل الصراع في حرب استنزاف سياسية وإعلامية.
وأكد أنّ قاعدة أساسية حكمت التجربة الإسرائيلية منذ تأسيس الدولة مفادها أنّ دفع الخصوم بقوة في ساحة المعركة يطيل أمد الهدوء اللاحق ويجعله أكثر استقرارًا، في حين أنّ السماح لهم بالنهوض يتيح لهم التحضير لجولة جديدة. واعتبر أنّ جوهر أي اتفاق فعّال في الشرق الأوسط يقوم على هذا المبدأ، وأنّ الاتفاقات لا تصمد إلا إذا كانت إسرائيل قادرة ومستعدة لفرضها.
وانتقل غالانت إلى الحالة اللبنانية، معتبرًا أنّ الفرق بين الاتفاق الهشّ والمتين يتجلّى بوضوح هناك. فبعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، ملأ حزب الله الفراغ وتحوّل خلال سنوات قليلة إلى قوة مسلّحة كبيرة، ما أدى إلى حرب عام 2006. وأشار إلى أنّ تلك الحرب انتهت من دون حسم عسكري واضح، فلم يُكسر حزب الله ولم تُفرض وقائع استراتيجية جديدة، ما مهّد لصدور القرار 1701 الذي نصّ على نزع السلاح جنوب الليطاني، لكن بنوده لم تُطبّق.
وأوضح أنّ الوضع تغيّر في عام 2024، مع تنفيذ إسرائيل عمليات دقيقة استهدفت قيادة حزب الله وبناه التحتية، وأسفرت عن القضاء على قيادات بارزة وتدمير معظم ترسانته الصاروخية ودفعه شمال الليطاني، من دون احتلال لبنان. واعتبر أنّ هذا الإنجاز العسكري أتاح التوصل إلى وقف إطلاق نار بوساطة أميركية في تشرين الثاني 2024، قائم على مبادئ واضحة تضمن منع عودة التسلّح جنوب الليطاني، مع احتفاظ إسرائيل بحرية العمل العسكري عند خرق الاتفاق.
وشدّد غالانت على أنّ الهدوء القائم لا يستند إلى وعود دبلوماسية بل إلى التفوق الميداني، معتبرًا أنّ الحملة ضد حزب الله تفتح أمام لبنان فرصة تاريخية لاستعادة سيادته، بعدما أُزيلت قوة الأمر الواقع التي فرضت نفسها لسنوات. وختم بالتأكيد أنّ السلام في الشرق الأوسط لا يولد من النصوص وحدها، بل من واقع ميداني يفرض على الخصم الإقرار بأنّ أهدافه غير قابلة للتحقيق، ويبقى مستدامًا فقط حين تتوافر القدرة على إنفاذه.