أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت" بوفاة سام برليف، أحد أبرز روّاد الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة، والرئيس السابق للمجلس المحلي في مستوطنة كتسرين في هضبة الجولان، عن عمر ناهز 84 عامًا.
ووصفت الصحيفة برليف بأنه "مهندس الاستيطان في هضبة الجولان"، وأحد أشد المعارضين لقرار رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل مناحم بيغن الانسحاب من شبه جزيرة سيناء ضمن اتفاقية السلام مع مصر عام 1979، معتبرًا أن تلك الخطوة شكّلت، برأيه، "سابقة خطيرة" قد تهدّد الوجود الإسرائيلي في مرتفعات الجولان.
وُلد برليف في العراق وهاجر إلى إسرائيل طفلًا. وبعد حرب 1967 تغيّر مسار حياته، ليكرّس جهوده لبناء المستوطنات في الجولان. وعاش في بلدة القنيطرة إلى حين إعادتها إلى سوريا، قبل أن ينتقل عام 1979 إلى كتسرين، حيث عُيّن رئيسًا للمجلس المحلي عام 1980، واستمر في منصبه لأكثر من 32 عامًا متواصلة.
وبحسب الصحيفة، أسهم برليف في اكتشاف كنيس كتسرين القديم خلال حفريات أثرية، وكان له دور محوري في تطوير البنية التحتية للجولان الحديث. وأضافت أن زوجته رامونا وافقت على الانتقال معه إلى الجولان بشرط أن تكون المستوطنة "حضرية"، فبادر بنفسه إلى تأسيس بلدة كتسرين لتلبية هذا الشرط.
وفي تسعينيات القرن الماضي، كان برليف يتوجّه شخصيًا إلى مطار بن غوريون لاستقبال مهاجرين يهود قادمين من دول الاتحاد السوفياتي السابق، وينقلهم مباشرة إلى الجولان قبل استقرارهم في وسط إسرائيل.
وأشارت "يديعوت أحرونوت" إلى أن برليف دخل في منازعات سياسية مع معظم رؤساء الحكومات الإسرائيلية، من غولدا مائير إلى بنيامين نتنياهو، رفضًا لأي تلميح للتخلّي عن الجولان، ونظّم إضرابات جوع صاخبة تحت شعار: "الشعب مع الجولان". وكان يرى أن انسحاب بيغن من سيناء شكّل تهديدًا استراتيجيًا، وقال في مناسبة سابقة: "شرحت لهم أن هذا لن يجلب السلام، وأن الثمن غير مقبول".
كما علّق برليف على موقف الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، قائلًا إن إصراره على عدم التنازل عن أي جزء من الجولان خدم، برأيه، الموقف الإسرائيلي، معتبرًا أن "التمسّك بالأرض" كان عاملًا حاسمًا في ما وصفه بالهدوء الطويل الذي شهدته المنطقة.
وأضافت الصحيفة أن برليف عاش ليشهد انهيار النظام السوري وفرار بشار الأسد إلى روسيا، وتغيّر المشهد الإقليمي بالكامل. ونقلت عنه في مقابلة سابقة قوله إن "الهدوء الذي استمر 40 عامًا في الجولان كان ثمرة التمسك بالأرض"، مضيفًا: "نحن ممتنون لله أننا في الجولان وليس على شاطئ بحيرة طبريا. لو تراجعنا، لكانت هناك اليوم دولة إسلامية في عين جب".
وختمت "يديعوت أحرونوت" تقريرها بالإشادة بما وصفته بـ"رؤية برليف الثابتة"، داعية إلى تبنّي "مفاهيم حالية" في مواجهة التحديات في غزة والضفة الغربية، ومؤكدة أن "التمسك بالجولان لم يكن عنادًا، بل استراتيجية بقاء".
وفي سياق متصل، نقلت الصحيفة عن تلغراف البريطانية تقريرًا حول مناقشات داخل الإدارة الأميركية، نُسبت إلى دونالد ترامب، بشأن إمكان توفير ملاذ آمن لليهود البريطانيين على خلفية تصاعد معاداة السامية في المملكة المتحدة. وذكرت أن روبرت جارسون، المحامي الشخصي لترامب والمولود في بريطانيا، دعا إلى استقبالهم في الولايات المتحدة، واصفًا المجتمع اليهودي البريطاني بأنه "مثقّف وجذّاب وناطق بالإنجليزية وشبه خالٍ من الجريمة".
غير أن الصحيفة علّقت على الفكرة بالقول إن العرض يبدو "حلوًا مرًّا"، متسائلة عن جدوى الهجرة إلى الولايات المتحدة بدلًا من التوجّه مباشرة إلى إسرائيل. ونقلت عن يعقوب حاغويل، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، قوله: "من يخاف أن يكون يهوديًا، فلن يكون لأحفاده أي علاقة باليهودية"، ووصفت العبارة بأنها "صادمة وقوية".
وأشار التقرير إلى أن نحو 60 ألف يهودي هاجروا إلى إسرائيل منذ اندلاع الحرب الأخيرة، معتبرًا أن الرقم كبير لكنه يبقى محدودًا قياسًا بالإمكانات المتاحة، وداعيًا إلى تصوّر "حركة تكتونية" تعيد ملايين اليهود من الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وبريطانيا وبلجيكا إلى إسرائيل، بما من شأنه — وفق الصحيفة — أن يجعل التحديات الحالية "تبدو صغيرة أمام هذا الزخم".
تأتي وفاة برليف في وقت يتجدّد فيه الجدل داخل إسرائيل حول مستقبل الجولان المحتل، في ظل تحوّلات إقليمية كبرى وتبدّل موازين القوى في سوريا والمنطقة. ويُعدّ برليف من الشخصيات التي لعبت دورًا مركزيًا في تكريس الاستيطان في الجولان منذ أواخر السبعينيات، وكان حضوره السياسي والإداري عاملًا مؤثرًا في رسم السياسات المحلية للمستوطنات هناك، بما جعله رمزًا لتيار يرفض أي انسحاب أو تسوية تتناول مرتفعات الجولان.