"ليبانون ديبايت"-باسمة عطوي
عاد طرح تسييل جزء من الذهب لردّ أموال المودعين إلى الواجهة مجدداً، بعدما تمّ طرحه من أكثر من جهة مؤخراً، أبرزها وزير الصناعة جو عيسى الخوري في تغريدة له، دعا فيها إلى “الاتفاق على تسييل حوالي 15 مليار دولار من الذهب لشراء سندات استثمارية (investment grade zero coupon bond)، وإعطائها إلى المودعين الذين تفوق ودائعهم قيمة الـ100 ألف دولار، بدل السندات المعزّزة بالمداخيل المحتملة على أصول مصرف لبنان”، في إشارة إلى مشروع قانون الفجوة المالية الذي تم التوافق عليه في الحكومة سابقاً.
الطرح الثاني جاء من عضو جمعية المصارف تنال الصباح (في حديث تلفزيوني)، الذي اقترح “تصفية بعض الذهب لحقوق المودعين وهو من موجودات المصرف المركزي”.
هذه الطروحات ليست جديدة، بل بدأت منذ وقوع الانهيار المالي، لكن تجديدها يتزامن مع النقاشات حول قانون الفجوة المالية، الذي يلاقي اعتراضاً من جهات داخلية ومن صندوق النقد الدولي على السواء.
تاريخياً، أُثيرت المسألة للمرّة الأولى في عهد رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميل، بحجّة تعزيز احتياطي العملات الأجنبية الذي كان قد بدأ ينضب في حينها، ودعم سعر صرف الليرة التي شهدت انهيارات جارفة. ثمّ ظهرت مجدّداً في تسعينيات القرن الماضي بحجّة تمويل مشاريع إعادة الإعمار بعد الحرب، وطُرحت أيضاً في مؤتمر “باريس 2” بحجّة إطفاء جزء من الدَّيْن العام، وأُثيرت في العام 2018 قبيل الانهيار المصرفي والنقدي، بحجّة تغذية احتياطي العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان وتفادي الاقتراض الخارجي لدعم ميزان المدفوعات.
حالياً، وصلت قيمة الذهب الموجود لدى مصرف لبنان إلى نحو 45 مليار دولار أميركي، وهي القيمة الأعلى له على الإطلاق، وتأتي كإنعكاس لارتفاع أسعار الذهب في الأسواق العالمية، نتيجة تهافت المستثمرين، ولا سيما المصارف المركزية العالمية، إلى تعزيز موجوداتها من الذهب تحوّطاً من أي اضطرابات في عالم محموم بالحروب والتقلّبات الجيوسياسية، تُستخدم فيه العقوبات كأداة لفرض السياسات وتطويع الأنظمة.
والسؤال الذي يُطرح هنا: من المستفيد الحقيقي من تسييل الذهب؟
الجواب البديهي هو المصارف، لأن ما تريده هو إمّا الهروب من التصفية أو الهروب من إعادة الرسملة، وفي الحالتين عبر استخدام الأصول العامة مثل الذهب. أمّا المنطق فيقول إن التخلّي عن أصول عامة لا يوجد له أي مبرّر، إلا إذا كان ذلك يحقّق المصلحة العامة. أمّا منحها للمصارف لتعويض المودعين فلا يعني بالضرورة أنها ستصل إلى المودعين، إذ لا ثقة بالمصارف لائتمانها على هذه الثروة. كما أن النسبة الأكبر من الودائع الصغيرة جرى محوها منذ زمن طويل بالتعاميم المختلفة التي صدرت عن مصرف لبنان، وما بقي هو فعلياً ودائع كبيرة ومتوسطة. فهل يُعقل حرمان الشعب اللبناني من ذهبه من أجل هؤلاء؟
قانصو: الذهب جزء من الحل وكضمان سيادي يعيد بناء الثقة
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور واجب قانصو أن “ما يُطرح اليوم عن تسييل جزء من الذهب لاستعادة الودائع قد يبدو، للوهلة الأولى، حلاً سريعاً يهدّئ غضب الناس. لكن من زاوية مالية–اقتصادية بحتة، هو خيار عالي الكلفة والمخاطر إذا أُسيء استخدامه”.
ويوضح لـ“ليبانون ديبايت” أن “الذهب ليس سيولة عادية. هو آخر أصول الدولة السيادية، وخط الدفاع الأخير عمّا تبقّى من الثقة بالنظام المالي. تسييله بشكل مباشر يعني استهلاك أصل غير قابل للتجديد مقابل التزامات ضخمة، من دون معالجة جذور الأزمة: فجوة مالية واضحة، ميزانيات غير شفافة، ومسؤوليات لم تُحدَّد بعد”، مشدداً على أن “الذهب يُصنَّف كأصل سيادي غير مولِّد للتدفقات النقدية (Non-yielding Sovereign Asset)، وتسييله لا يخلق قيمة اقتصادية بحد ذاته، بل يستبدل مخزون أمان طويل الأجل بتدفّق نقدي مؤقّت”.
ويعتبر قانصو أن “النهج الأكثر عقلانية لا يقوم على بيع الذهب، بل على توظيفه بذكاء، عبر استخدامه كضمان لإصدار أدوات استثمارية عالية الجودة ومحدّدة الغاية، وربط هذه الأدوات باستحقاقات زمنية واضحة وقابلة للقياس، وإخضاعها لإطار قانوني صارم، وحوكمة ورقابة مستقلّة تمنع إعادة إنتاج الفشل نفسه”، منبهاً إلى أن “هذا الخيار يبقى مشروطاً بخطوة أساسية لا يمكن القفز فوقها، وهي إعادة هيكلة شاملة للقطاع المالي وتحديد المسؤوليات بين الدولة، المصرف المركزي، والمصارف، قبل البحث في أي صيغة تمويل أو ضمان”.
ويختم: “الذهب يمكن أن يكون جزءاً من الحل، لكن فقط كضمان سيادي يعيد بناء الثقة ويخفّض المخاطر النظامية، لا كأصل يُستهلك لسدّ فجوة صنعها سوء الإدارة”.
أبو سليمان: عدم حماية سيولة المودع قبل الاستحقاق ستخلق سوقاً تلتهم حقوق الناس
من الناحية التقنية، يشرح الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان لـ“ليبانون ديبايت” أن “فكرة استبدال جزء من ذهب مصرف لبنان بسندات صفرية قد تبدو مضمونة على الورق، لكن معيار النجاح ليس اسم السند ولا تصنيفه، بل سؤال واحد: هل يستطيع المودع تحويل حقه إلى سيولة عادلة عندما يحتاج؟”.
ويضيف أن “المودع الذي يحتاج سيولة قبل الاستحقاق سيضطر غالباً للبيع في سوق ثانوية ضعيفة التسعير والسيولة، وهنا يظهر الـhaircut الحقيقي، ليس بقرار رسمي، بل بخصم سوقي ناتج عن ضغط الحاجة وغياب صانع السوق”.
ويختم: “أي خطة لا تحمي سيولة المودع قبل الاستحقاق، ستخلق سوقاً تلتهم فيها الخصومات حقوق الناس، حتى لو كانت الأداة Investment Grade”.