الفجوة المالية ما زالت بلا حسم سياسي واضح. النقاش حولها مستمر منذ سنوات، لكن من دون إجابة صريحة عن السؤال الجوهري، كيف تُوزَّع الخسائر؟ أي محاولة لوضع هذا الجواب في متن الموازنة أو في قوانينها الملحقة ستتحوّل فورًا إلى عبء انتخابي مباشر على من يوقّع أو يصوّت. لذلك، تُترك الفجوة في المنطقة الرمادية، لا إنكار علني ولا اعتراف تشريعي، فقط تأجيل مقصود بانتظار ظرف أقل كلفة.
بالتوازي، دخل لبنان عمليًا مرحلة ما قبل الانتخابات. في هذه المرحلة، يصبح كل تصويت على ضريبة، رسم، أو تعديل مالي مادة جاهزة للاستخدام في الحملات الانتخابية. لا كتل راغبة في لعب دور "المصادِق"، ولا حكومة مستعدّة لتحمّل مسؤولية موازنة تُقرأ شعبيًا على أنها موازنة تحميل أعباء، ولو كان هذا التوصيف غير دقيق بالكامل. الجميع يحسب الكلفة، ولا أحد يريد أن يدفعها.
أما الموازنة نفسها، فهي لا تقدّم أي غطاء سياسي لمن يدافع عنها. تقديرات واردات غير محسومة، توازن مالي شكلي، غياب الحسابات النهائية، وتناقض واضح في أسعار الصرف بين الدولة وموظفيها ومواطنيها. هي موازنة بلا رواية سياسية موحِّدة، وبلا قرار كبير واحد يمكن الالتفاف حوله. بدل أن تكون نقطة التقاء، تحوّلت إلى نقطة إحراج.
وفي هذا السياق، صار من الواضح أن الموازنة أصبحت مصيبة حلّت على مجلس النواب. فاستغلّ عدد كبير من النواب مناقشات الموازنة كمنصّة لتسجيل المواقف وتبادل الرسائل السياسية، لا كورشة تشريعية مسؤولة. تحوّلت الجلسات إلى مسرح خطابي، حيث طغت الشعبوية والمزايدات، وارتفعت نبرة دغدغة مشاعر الناخبين على حساب أي نقاش جدّي في جوهر الأرقام والخيارات. هكذا، أصبحت الموازنة وسيلة لتلميع الصورة الانتخابية.
لذلك يرجح أن الموازنة لن تمرّ لأن لا أحد يريد أن يُنسب إليه تمريرها. المعارضة لا تريد تبنّيها، الموالاة لا تريد الدفاع عنها حتى النهاية، والحكومة نفسها تتعامل معها كواجب إجرائي أكثر منها خيارًا سياسيًا. الجميع يختبئ، والكل ينتظر أن يتحمّل غيره كلفة القرار.
الخلاصة أن ما يمنع إقرار الموازنة ليس حجم الأزمة، بل الخوف من تسجيل الموقف. وعندما تتحوّل السياسة إلى إدارة توقيت بدل إدارة حلول، تتحوّل الموازنة من أداة إصلاح إلى ملف مؤجَّل، بانتظار لحظة أقل كلفة سياسيًا، ولو كانت أكثر خطورة على الدولة ومستقبلها.