"ليبانون ديبايت" - محمد المدني
في السياسة اللبنانية، لا تُدار الاستحقاقات الكبرى وفق النصوص وحدها، بل وفق ميزان الكلفة والربح، وما هو قابل للتحمّل في لحظة معيّنة. الانتخابات النيابية، على أهميتها الدستورية، لا تخرج عن هذه القاعدة. فهي ليست مجرد موعد على رزنامة الدولة، بل اختبار شامل لقدرة القوى السياسية والمالية والأمنية على خوض معركة مكلفة في بلد مأزوم حتى العظم.
من هنا، يصبح السؤال الحقيقي أقل ارتباطًا بـ"هل يجب إجراء الانتخابات؟" وأكثر التصاقًا بـ"هل هذا هو التوقيت الممكن أصلًا".
العامل الحاسم اليوم هو المال. ليس كأداة انتخابية فقط، بل كشرط للاستقرار الاجتماعي والسياسي. في البيئة الشيعية تحديدًا، يواجه حزب الله مأزقًا واضحًا لا يمكن تجاهله. القصف الإسرائيلي المتواصل خلّف دمارًا واسعًا في الجنوب، وبعلبك–الهرمل، والبقاع الغربي، فيما التعويضات لا تزال محدودة، متأخرة، ولا ترقى إلى حجم الخسائر. في مثل هذا الواقع، يصبح أي استحقاق انتخابي عبئًا إضافيًا. الأموال التي تُصرف على الماكينات والتحالفات والخدمات الانتخابية هي نفسها التي تنتظرها الناس لإعادة بناء منازلها واحتواء خسائرها. هنا، لا تُقرأ الانتخابات كمنافسة سياسية طبيعية، بل كمفاضلة قاسية بين السياسة والناس، وهي مفاضلة خطِرة اجتماعيًا.
من هذه الزاوية، يمكن فهم الفتور تجاه الانتخابات حتى لدى من يملك القدرة العددية على الفوز. فالمشكلة ليست في النتائج، بل في التوقيت والكلفة والرسالة. فإنفاق المال على السياسة فيما الإعمار معلّق يفتح أسئلة داخلية محرِجة ويهدّد الثقة داخل البيئة الحاضنة. لذلك، يبدو التأجيل خيارًا وقائيًا أكثر منه موقفًا سياسيًا أو دستوريًا.
على مستوى السلطة، تتقاطع الحسابات بهدوء ومن دون إعلان. رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون يحرص، في الشكل، على إنجاز الانتخابات في موعدها حفاظًا على صورة العهد والانتظام الدستوري. لكن التجربة أثبتت أن الملفات الكبرى، وعلى رأسها ملف السلاح، لا تُدار بالشعارات ولا تُحلّ بالحوار الشكلي. وجود حكومة حالية تتحمّل عبء هذا الملف يريح موقع الرئاسة ويُبقيه خارج دائرة الاشتباك المباشر. انتخابات تفضي إلى حكومة سياسية جديدة قد تعيد نقل هذا العبء إلى الرئاسة نفسها، وهو ما لا يبدو مرغوبًا في مرحلة دقيقة كهذه.
رئيس الحكومة نواف سلام بدوره يتحمّل اليوم ضغطًا مزدوجًا: خطابًا دوليًا عالي السقف حول قضايا سيادية، وواقعًا داخليًا هشًا. تغييره بعد الانتخابات لا يعني تلقائيًا حلّ الأزمة، بل قد يفتح الباب على حكومة أضعف أو أكثر انقسامًا، عاجزة عن إدارة الملفات نفسها. من هنا، يتحوّل بقاء الحكومة الحالية إلى خيار أقل كلفة عند كثيرين، ولو لم يُقال ذلك علنًا.
أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فحسابه مختلف. القانون الانتخابي القائم لا يشكّل تهديدًا فعليًا للتوازنات الأساسية، ولا يفتح الباب واسعًا أمام اختراقات نوعية. ما تبقّى من قوى التغيير مشتّت، محدود الموارد، ضعيف الماكينات، فيما المال الانتخابي حين يتدفّق، نادرًا ما يخرج عن السرب أو يذهب إلى مواجهة جذرية. لذلك، لا استعجال للانتخابات ولا خوف منها، والمجلس الحالي يبقى مريحًا وقادرًا على إدارة الوقت.
لذلك، لا أحد يرفع راية التأجيل كخيار شجاع أو كموقف مبدئي، لكن كثيرين يتصرّفون على أساسه. المال هو القاسم المشترك بين الجميع، حاجة للإعمار، حاجة لضبط النتائج، وحاجة لتفادي انفجارات اجتماعية. وبين هذه الحاجات، تتحوّل الانتخابات من استحقاق ديمقراطي إلى مسألة توقيت وحساب كلفة. والمعركة الحقيقية لا تدور حول "إجراء الانتخابات من عدمه"، بل حول «""متى تُجرى، وبأي ثمن، ولمصلحة أي توازن مقبل"، خصوصًا أن المجلس القادم سيحمل على عاتقه استحقاق رئاسة الجمهورية وما يتفرّع عنه من إعادة رسم للسلطة.
هكذا، يصبح التأجيل أقل صخبًا من إجرائه الآن، وأقل مخاطرة من فتح كل الجبهات دفعة واحدة. ليس لأنه الخيار الأمثل ديمقراطيًا، بل لأنه الخيار الممكن في لحظة لا تحتمل أخطاء كبيرة، ولا تسمح بإسقاط الحسابات الواقعية تحت ضغط الشعارات.