"ليبانون ديبايت"- باسمة عطوي
استطاعت حكومة الرئيس نواف سلام، بشقّ النفس، تخطي “قطوع” التصعيد في وجهها من قبل العسكريين والمتقاعدين والأساتذة وموظفي القطاع العام، خلال مناقشة موازنة 2026، بعدما تعهّد وزير المال ياسين جابر بأن الوزارة ستقدّم تصوراً عن هذه الزيادات قبل نهاية شباط، بعد دراسة الإمكانيات المتاحة، لأن أعين الدول المانحة وصندوق النقد مفتوحة على أي إجراء مالي يتخذه لبنان، وأنه لا يجب تكرار خطيئة إقرار سلسلة الرتب والرواتب في العام 2017.
ما يُفهم من كلام جابر، أن تمويل أي زيادة في رواتب العسكريين والقطاع العام يواجه صعوبات كبيرة، بسبب الأزمة المالية العميقة التي تمرّ بها الدولة منذ العام 2019، وأن الحكومة يجب أن تجد مصادر مالية جديدة أو معدّلة في ميزانية الدولة لتغطية هذه الزيادات، خصوصاً مع عجز مزمن في الإيرادات العامة وديون عالية، واقتصاد متأثر بانخفاض احتياطيات مصرف لبنان. فهل يمكن الوصول إلى هذه المعادلة قريباً، أم أنها ستلجأ إلى حلول ترقيعية كالعادة؟
الإجابة على هذا السؤال لها شقّان: تقني، أي إجراءات يمكن أن تُتخذ لتأمين التمويل نظرياً، وواقعي، يفيد بأنه لا يمكن إصلاح الواقع المالي للشعب اللبناني (ومنهم الموظفون والعسكريون) قبل إصلاح مالية الدولة، وهذا الأمر لن تقدر على تنفيذه حكومة الرئيس نواف سلام، ما يعني أنها ستنتهج سياسة “تركيب الطرابيش” لمعالجة هذا الملف بأقل كلفة ممكنة.
تقنياً، أهم الموارد والإمكانات التي يمكن أن تعتمد عليها الحكومة لتغطية الزيادات هي:
• إعادة هيكلة الإيرادات الضريبية وتحسين الجباية، من خلال متابعة الأشخاص والشركات غير المسجلين لدى إدارة الضرائب، وملاحقة المتأخرين في التصريح وتسديد الضرائب ضمن المهل القانونية، وإدخال تقديرات دقيقة للإيرادات في موازنة 2026 لتقليل الفجوة بين الإيرادات والنفقات، مما يؤدي إلى تعزيز كفاءة الجباية أكثر من فرض ضرائب إضافية.
• تفعيل موارد الجمارك ورسوم الاستيراد: أي أن تعمل السلطات على تعديل آليات الجمارك، لزيادة الواردات من الرسوم الجمركية، مثل استيفاء نسبة من قيمة الاستيراد على المكلفين غير الملتزمين بواجبات الضرائب، بهدف تعزيز الموارد العامة.
• تمويل من مؤسسات دولية مثل البنك الدولي لدعم البرامج الاجتماعية والمشاريع التنموية، لكن هذه المساعدات غالباً محدودة ومشروطة، ويصعب الاعتماد عليها بشكل دائم لتغطية الرواتب.
• التقشف وتقليص الإنفاق غير الضروري، أي تجميد الإنفاق على المشاريع غير الضرورية أو الاستثمارية، لتبقى الموارد المتاحة موجهة للرواتب والنفقات الجارية، ومحاربة الهدر والفساد داخل مؤسسات الدولة لتحرير موارد إضافية.
• تنفيذ إصلاحات هيكلية في القطاع العام.
موسى: هل يمكن إقرار زيادات قبل استعادة الدولة لعافيتها؟
يشرح الدكتور محمد موسى (أكاديمي وباحث وأستاذ الاقتصاد السياسي) لـ”ليبانون ديبايت”، أن “هناك عدة أبواب يمكن للحكومة أن تؤمن عبرها مداخيل لتمويل زيادات رواتب العسكريين والقطاع العام، وتأتي في مقدمتها تفعيل المعابر الحدودية والحد من التهرب الجمركي والضريبي، وهذا ما يورده البنك الدولي في تقاريره، متوقعاً أن تتمكن الحكومة من الوصول إلى أرقام جباية لم نصل إليها بعد”، لافتاً إلى أن “القروض قد تكون في مكان ما مدخلاً لتمويل هذه الزيادة، لكن الأهم هو أن سعي الحكومة لإبرام اتفاق مع صندوق النقد ومع المانحين قد يكون مدخلاً لإنجاز شيء ما، لا يكون كاملاً وفق ما يرتضيه العسكريون، ولكن على قاعدة: بحصّة بتسند خابية”.
يضيف: “هناك موارد أخرى تم إلقاء الضوء عليها مراراً وتكراراً، وهي الرسوم العادلة على الأملاك البحرية والنهرية. فهذا الملف مُحق، ولا بد من إعداد صياغة قانون الأملاك البحرية والنهرية، ورفع الحصانات عن المنتفعين مهما كان موقعهم، وهذه الإجراءات هي مدخل لإيجاد الحلول”، مشدداً على أنه “لا بد من تسجيل نقطة هامة، وهي أن معالجة رواتب العسكريين والقطاع العام ليست بهذه السهولة التي يتم طرحها، فالملف معقد لأن المالية العامة في لبنان تعاني من صعوبات مادية، والأرقام تفيد أن موازنة 2026 هي بالشكل صفرية (إيرادات ونفقات)، ولكن واقع الأمر أننا في دولة لم تستعد عافيتها المالية حتى الساعة”، ويسأل: “قبل أن تستعيد الدولة هذه العافية، هل يمكن إقرار زيادات على الرواتب؟ خاصة أن الأمر أبعد من الزيادة للعسكريين وحدهم، بل هناك الأساتذة والمتعاقدون وموظفو الإدارة في الدولة، ويجب أخذهم بعين الاعتبار عند درس ملف الزيادات لإنصاف الجميع”.
يخشى موسى “أن يكون هذا الملف محرجاً للحكومة إلى حد نسفها، ونحن شاهدنا أن مصير حكومة الرئيس سلام كان على المحك خلال جلسة مناقشة الموازنة لولا تدارك الأمور. وبالتالي نحن أمام حلول ترقيعية مقبلة لهذه الملفات المعيشية في ظل عدم معالجة حقيقية وأساسية لمالية الدولة إلى يومنا هذا”، مرجحاً أن “تكون نوايا الحكومة الحالية جيدة، ولكن هناك واقع يقول إن “العين بصيرة واليد قصيرة”، وأي كلام مخالف هو مجافاة للحقيقة، وأي طرف معني بهذا الملف لا يريد اتخاذ دعسة ناقصة، لأنها ستكون مكلفة جداً على الجميع، خاصة تحت أعين صندوق النقد والبنك الدولي والمانحين، الذين يراقبون ما يحصل في لبنان، مما يضيّق الهوامش التي تستطيع الحكومة التحرك عبرها”.