ترجمة "ليبانون ديبايت"
نشرت مجلة “The Atlantic” الأميركية مقالًا تحليليًا بعنوان “A Foreign Policy Worse Than Regime Change”، للكاتب والدبلوماسي الأميركي السابق جون آر بولتون، قدّم فيه نقدًا حادًا للسياسة الخارجية التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبرًا أنها أكثر فوضوية وخطورة من سياسات “تغيير الأنظمة” التي طبعت مراحل سابقة من التدخل الأميركي حول العالم.
ينطلق بولتون من مفارقة أساسية: ترامب الذي وصل إلى البيت الأبيض متعهدًا بعدم خوض حروب جديدة ورفض مشاريع تغيير الأنظمة وبناء الدول، انتهى إلى انتهاج سياسة خارجية بلا بوصلة، تقوم على تدخلات متناقضة ومبادرات مرتجلة، يصفها الكاتب بأنها أقرب إلى “مغامرات عالمية” تفتقر لأي إطار استراتيجي أو فهم تاريخي.
ويشير المقال إلى أن مفهوم “تغيير الأنظمة”، على الرغم من كل ما أُخذ عليه، كان يستند في الحد الأدنى إلى منطق سياسي واضح: إذا كان من المستحيل تعديل سلوك نظام معادٍ، يتم استبداله بنظام أكثر قابلية للتعاون، شرط أن تفوق المكاسب المتوقعة كلفة التدخل. أما سياسة ترامب، وفق بولتون، فهي بلا منطق مماثل، وتُدار بمنطق استعراضي شخصي، لا بعقلية دولة.
في فنزويلا، يرى الكاتب أن ترامب أسقط نيكولاس مادورو شكليًا، لكنه أبقى بنية النظام نفسها، وأقصى المعارضة التي كان يُفترض أن تتولى إدارة المرحلة الانتقالية. وبدل تمكين حكومة منتخبة قادرة على استعادة الاستقرار، جرى تعزيز نفوذ شخصيات أساسية من النظام السابق، ما قوّض فرص الانتقال الديمقراطي وأبقى البلاد في حالة شلل سياسي واقتصادي. ويضيف بولتون أن غياب دولة القانون في ظل هذا الواقع جعل فنزويلا طاردة للاستثمارات، خصوصًا في قطاع النفط، رغم محاولات واشنطن فتح قنوات مالية لصالح السلطة القائمة.
وفي غزة، يصف بولتون خطة ترامب بأنها مشروع “إدارة استعمارية مقنّعة”، عبر إنشاء “مجلس سلام” يخضع فعليًا لسيطرته الشخصية، ويضم شخصيات مقرّبة منه، من بينهم صهره جاريد كوشنر. ويعتبر أن الحديث عن إعادة إعمار أو تحويل غزة إلى منطقة مزدهرة يتجاهل حقيقة أساسية، وهي غياب أي مسار لنزع سلاح حماس أو توفير ضمانات أمنية دولية، ما يجعل الخطة منفصلة تمامًا عن الواقع.
كما يتوقف المقال عند ملف غرينلاند، حيث يرى بولتون أن تهديد ترامب باستخدام القوة ضد حليف أطلسي، قبل التراجع السريع، شكّل ضربة قاسية لمصداقية الولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي، وأثار شكوكًا عميقة لدى الشركاء الأوروبيين، في مقابل استفادة مباشرة لروسيا من هذا التخبط الأميركي.
أما إيران، فيصف بولتون مقاربة ترامب بأنها الأكثر تناقضًا، إذ يدعو علنًا إلى تغيير النظام، ويشجّع الإيرانيين على التحرك، من دون تقديم أي دعم سياسي أو عملي للمعارضة. ويعتبر أن هذا السلوك ترك المحتجين في مواجهة مباشرة مع القمع، وأدى إلى شعور واسع بالخذلان، ما يعكس مرة جديدة غياب التخطيط وتحمل المسؤولية.
ويخلص الكاتب إلى أن الخلل الجوهري لا يكمن في فشل سياسات محددة، بل في غياب مفهوم السياسة الخارجية أصلًا لدى ترامب، معتبرًا أن الرئيس الأميركي لا يحكم وفق استراتيجية أو رؤية طويلة الأمد، بل وفق نزعات شخصية آنية. ويحذر بولتون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى أضرار استراتيجية عميقة، داعيًا الأوساط الجمهورية التقليدية إلى رفع مستوى الاعتراض قبل فوات الأوان.