"ليبانون ديبايت"
في ظلّ احتدام الصراع الإقليمي والدولي، وعودة الملف النووي الإيراني إلى واجهة الاهتمام السياسي، بدأت المفاوضات الإيرانية–الأميركية وسط مناخ شديد التعقيد، تختلط فيه الدبلوماسية بالضغط، وتتشابك فيه الحسابات الاستراتيجية مع هواجس الحرب. فبين جولة وُصفت بكسر الجليد، وزيارات سياسية متزامنة تحمل دلالات تتجاوز إطار التفاوض المباشر، يبدو المشهد مفتوحًا على احتمالات متعدّدة، لا ترقى بعد إلى مستوى التسوية، ولا تنزلق بالكامل نحو المواجهة.
في هذا السياق، يقدّم الكاتب والمحلل السياسي والاستراتيجي توفيق شومان قراءة معمّقة لمسار المفاوضات، وحدودها، وأدوات الضغط المستخدمة، وما قد تحمله المرحلة المقبلة من تحوّلات في ميزان القوى بين دبلوماسية القوّة ودبلوماسية الصبر.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي والاستراتيجي توفيق شومان، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أنّ الجولة الأولى من المفاوضات الإيرانية–الأميركية كانت استكشافية بامتياز، ولم تتناول بعد العناوين الفعلية للتفاوض، ولا المجالات المحدّدة، ولا حتى خريطة طريق تفصيلية يمكن البناء عليها في الجولة الثانية. ويعتبر شومان أنّ هذه الجولة لا يمكن توصيفها إلا في إطار كسر الجليد بين الطرفين.
ويشير شومان إلى أنّ المرحلة التي تلي كسر الجليد تكتسب أهمية استثنائية، ولا سيما مع زيارة علي لاريجاني إلى سلطنة عُمان، والتي يراها محطة مفصلية في مسار المفاوضات. وتكمن أهمية هذه الزيارة، بحسب شومان، في الموقع الذي يشغله لاريجاني بوصفه الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، ما يجعلها تعبيرًا واضحًا عن محاولة إيرانية جدية لاستكشاف مدى جدّية الولايات المتحدة الأميركية في خوض مفاوضات حقيقية.
وفي تقديره، فإنّ زيارة من هذا المستوى لا تأتي لأسباب بروتوكولية، بل تهدف إلى رسم عناوين أساسية تتصل بجوهر العملية التفاوضية، وفي مقدّمها الإجابة على أسئلة محورية، من قبيل:
ماذا يريد الأمريكيون فعليًا؟
وماذا تريد إيران؟
ما هي الخطوط الحمر الإيرانية التي لا يمكن تجاوزها؟
وما هي الالتزامات التي يمكن أن تقدّمها الولايات المتحدة؟
ويرى شومان أنّ علي لاريجاني يسعى، من خلال زيارته إلى عُمان، إلى نقل هذه الرسائل عبر الوسيط العُماني إلى الجانب الأمريكي، بما يسمح بتكوين صورة أوضح عن نيات واشنطن وحدود استعدادها للتفاوض. وبناءً على ما ستؤول إليه هذه الرسائل، سيتحدّد، وفق شومان، مضمون الجولة الثانية من المفاوضات واتجاهاتها الفعلية.
ويضيف شومان أنّ هذه الزيارة تكتسب بُعدًا إضافيًا بالغ الدلالة، كونها تأتي قبل يوم واحد فقط من زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة الأميركية، ما يضعها في سياق سياسي واستراتيجي أوسع، ويجعل نتائجها مرتبطة مباشرة بتوازنات المرحلة المقبلة.
وبالتالي، يؤكد شومان أنّ مضمون واتجاه الجولة التفاوضية الثانية سيتأثران بشكل وثيق بنتائج زيارة علي لاريجاني إلى سلطنة عُمان، وبنتائج زيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، في آنٍ معًا.
وفي مقاربته لمسألة الحرب، يشدّد شومان على أنّ المفاوضات لم تُلغِ خيار الحرب، لكنها في المقابل أبعدت شبحها مؤقتًا. ويمكن، برأيه، القول إنّ المفاوضات خفّضت احتمال الحرب من المرتبة الأولى إلى المرتبة الثالثة. غير أنّ أي تعثّر جديد في المسار التفاوضي قد يعيد هذا الاحتمال إلى المرتبة الأولى كما كان سابقًا.
وفي هذا الإطار، يرى شومان أنّ الولايات المتحدة تمارس حاليًا ما يمكن وصفه بـ "دبلوماسية القهر" أو "الدبلوماسية بالقوة"، في محاولة لفرض شروطها على إيران، من دون أن يعني ذلك إسقاط خيار الحرب من الحسابات الأميركية. ويشير إلى أنّ هذا التوجه لا يقتصر على التلويح بالقوة العسكرية، بل يمتد إلى أدوات ضغط اقتصادية وسياسية متعدّدة.
ويستند شومان في تحليله أيضًا إلى ما ترصده الصحافة الأميركية، وآراء كبار المحللين داخل الولايات المتحدة، بمن فيهم المقرّبون من دوائر صنع القرار في البيت الأبيض، حيث يلاحظ أنّ منسوب التفاؤل بإمكانية التوصل إلى نتائج سريعة يبقى ضعيفًا، سواء في الجولة الأولى أو الثانية من المفاوضات. ويؤكد أنّ معظم هؤلاء المحللين لا يعلّقون آمالًا كبيرة على هذه الجلسات، إلا إذا طرأ تطوّر نوعي غير متوقّع.
وفي سياق متصل، يلفت شومان إلى أنّ الأمريكيين لا يسلكون مسارًا تفاوضيًا واحدًا، بل يعتمدون استراتيجية متعددة المسارات. فهم يعتبرون أنّ إعادة هيكلة الاقتصاد الإيراني ومسارات النفط الإيراني تشكّل جزءًا أساسيًا من أدوات التفاوض والضغط. ويؤكد أنّ التحكّم بحركة تصدير النفط الإيراني يُعدّ عنصرًا محوريًا في هذا الملف، خصوصًا أنّ جزءًا كبيرًا من هذا النفط يتجه إلى الصين.
ومن هنا، يرى شومان أنّ استخدام هذا العامل كورقة ضغط لا يستهدف إيران وحدها، بل يهدف عمليًا إلى تضييق الخناق الاقتصادي على الصين أيضًا. ومن خلال هذا المسار، تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز سيطرتها على معظم نفط الخليج، وهو ما يشكّل، برأيه، الطموح الاستراتيجي الأساسي لواشنطن.
ويعتبر أنّ هذه النقطة تحديدًا تمثّل فجوة عميقة بالنسبة للإيرانيين، إذ لا يمكن لإيران التفريط بعلاقاتها مع الصين، كونها تشكّل ركنًا أساسيًا في منظومة علاقاتها الدولية، وعلى الرغم من ذلك، يراهن الأمريكيون على هذا الاتجاه، ويعملون على دفعه بقوة ضمن مسار التفاوض.
ويختم شومان بالإشارة إلى أنّ هذا المشهد هو الأكثر حضورًا في المرحلة الراهنة، بما يضع المشهد العام برمّته أمام سباق مفتوح، يمكن توصيفه بأنّه سباق بين دبلوماسية القوّة من جهة، ودبلوماسية الصبر من جهة أخرى، في محاولة لصياغة معادلة جديدة ترسم ملامح المرحلة المقبلة.