الذكرى هذا العام لم تكن مناسبة وجدانية فحسب، بل حملت أبعاداً سياسية واضحة، مع إطلالة الرئيس سعد الحريري وخطابه الذي اعتبره كثيرون مؤشراً إلى إعادة تموضع في المشهد الداخلي، وسط أسئلة كبرى حول الانتخابات النيابية المقبلة وإعادة ترتيب الساحة السنية في ظل تعقيدات إقليمية متشابكة.
وفي هذا الاطار يرى الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم بيرم، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن خطاب الرئيس سعد الحريري اليوم شكّل بالنسبة له محطة مفصلية، فإما أن يغادر أو يكمل. وللمغادرة حساباتها، بمعنى أن ينتهي سياسياً أو يُعدم سياسياً، وهو يعرف ذلك تماماً، كما أن الاستمرار له أثمانه وتحدياته. وعلى ما يبدو اختار الرئيس الحريري أن يكمل.
ويستند بيرم إلى ما قاله الرئيس الحريري: «إذا صار في انتخابات… تسمعوا صوتنا» كإشارة سياسية لافتة، لكنها كلمة مطاطة، إذ لا يمكن اعتبارها إعلاناً حاسماً ونهائياً للعودة، بل كلمة فضفاضة يمكن بعدها أن يتراجع.
لكن ما هو واضح أن القاعدة الحريرية، برأي بيرم، لم تعد تريد منه موقفاً رمادياً، ولا تستطيع أن تحتمل بعد ثلاث دورات انتخابية متتالية التغيب عن المشهد السياسي والانتخابي، لا سيما أن كلامه أنه ليس بالضرورة أن تكون هناك مناصب ومكاسب وكراسٍ، وهذا غير مألوف في الحياة السياسية اللبنانية، بل إن أي قوة سياسية تحتاج إلى المشاركة في السلطة، وأن تكون لاعباً في الحياة السياسية اللبنانية، في السلطة والحكومة.
ويعتبر أنه إذا كان صحيحاً أنه رغم الغياب سيبقى موجوداً من حيث المبدأ، إلا أن ذلك لا يخلق زعامة سياسية صلبة وحاضرة ومؤثرة، بل عاطفة وشحن وقوة، وهي تخدم لفترة معينة فقط، وبالتالي يعتقد أن الحريري راجع على طريقته.
أما حول رده على من «راهنوا على الخلافات مع دول الخليج»، فرأى أن الأمر يحتاج إلى إثبات حتى يصدق الناس أنه ليس على خلاف مع بعض دول الخليج، فالجميع يعلم أن هناك مشاكل له مع بعض دول الخليج، ولها تداعيات عبر أذرع الخليج في المنطقة ومنها لبنان. فلا أحد يستطيع أن ينكر أن هناك خلافات خليجية–خليجية لها تأثيراتها على لبنان والساحات العربية الأخرى.
المشهد الإقليمي اليوم لم يعد بسيطاً، لأن السعودية ما زالت لاعباً أساسياً في أكثر من ساحة، وبالمقابل هناك أيضاً محاولات ومحاور أخرى تتحرّك على نفس الخط:
• محور قطري–تركي بطابع إخواني واضح.
• محور مصري–سعودي يقوم على مقاربة مختلفة للدولة والاستقرار.
• تقاطعات سورية–تركية تتحرّك أحياناً عبر دول أخرى وبأشكال غير مباشرة.
ويعتبر أنه هنا تكمن المشكلة الأساسية:
أن هذه المحاور المتنافسة لا تترك تأثيرها فقط على الدول الكبرى، بل تمتد تداعياتها إلى الساحات الهشة مثل لبنان، حيث يتحول أي استحقاق داخلي إلى انعكاس لصراع نفوذ إقليمي. وبالتالي فإن الأزمة ليست فقط داخلية، بل هي أيضاً نتيجة اشتباك إقليمي مفتوح، يجعل إعادة ترتيب الساحة السياسية – خصوصاً الساحة السنية – أكثر تعقيداً وصعوبة.
ويتوقف بيرم عند محاولة الرئيس الحريري التشكيك بإجراء الانتخابات النيابية، حيث يرى أنه محق في هذا الأمر، فحتى الآن لا شيء محسوم، البلد ما زال عالقاً في وحل سياسي، والملفات الأساسية لم تُحسم، ولا يبدو أن هناك قراراً نهائياً يضمن حصول الانتخابات من دون عراقيل أو تأجيل.
وبحسب ما يظهر في الكواليس، وفق بيرم، هناك قوى تدفع باتجاه إجراء الانتخابات، لكن بالمقابل هناك قوى أخرى تتعامل مع الاستحقاق بمنطق «التحدي» أو المناورة، خصوصاً أنها تعرف أن تجربة الانتخابات قد تحمل مفاجآت، وأن النتائج ليست مضمونة.
كما أن بعض الأطراف لا يبدو أنها تضع كل أوراقها في سلة واحدة، بل تترك لنفسها هامشاً للمراهنة على أكثر من سيناريو، ما يزيد الضبابية حول مصير الاستحقاق.
لهذا يمكن القول إن الصورة حتى اللحظة ليست محسومة: الاحتمالات ما زالت مفتوحة بنسبة 50 على 50، وربما أكثر بقليل، لكن من دون أي ضمانة نهائية.
وحول استمرار الحريرية السياسية رغم ابتعاد الرئيس سعد الحريري لسنوات عن العمل السياسي، يتحدث بيرم عن ثلاثة عوامل أساسية ما زالت راسخة ومؤثرة فعلياً في استمرار حضور «الحريرية» داخل الساحة اللبنانية:
أولاً: لأن القوى السياسية – خصوصاً ذات الطابع الديني أو الشعبوي – التي حاولت أن تحل مكانها خلال السنوات الماضية، أثبتت أنها مرتبكة، قصيرة النظر، ومفككة، وغالباً ما كان أداؤها قائماً على شخصيات وخطابات أكثر مما هو قائم على مشاريع وطنية واضحة أو رؤية دولة.
ثانياً: لأن الخريطة السياسية اللبنانية لم تتغير من دون أثر منذ عام 1993، حين برز الرئيس الشهيد رفيق الحريري كعنصر محوري في الحياة السياسية، من خلال خدماته ومشاريعه وتقديماته. وسواء اتفق اللبنانيون أو اختلفوا على هذا النموذج، إلا أنه ترك بصمة واضحة على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في لبنان، ولا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.
ثالثاً: لأن هناك مشكلة بنيوية في الساحة الوطنية اللبنانية، فالحياة السياسية في لبنان لم تعتد أن تُدار خارج منطق الزعامات التقليدية. وفي مرحلة رفيق الحريري، بدا وكأن هناك محاولة لإدارة التوازنات الوطنية بطريقة مختلفة، لكن بعد غيابه عادت الانقسامات والصراعات الزعاماتية لتطفو من جديد، وحاولت قوى وشخصيات مختلفة أن تملأ الفراغ في مناطق متعددة من دون أن تنجح فعلياً في بناء بديل ثابت.
ويقول: «رغم كل المحاولات التي شهدتها السنوات الماضية لاستيلاد زعامة سياسية سنّية بديلة، بقيت هذه المحاولات ناقصة وغير مكتملة، سواء لأنها كانت قائمة على شخصيات ظرفية، أو لأنها لم تحمل مشروعاً سياسياً متماسكاً يمكن أن يتحول إلى حالة عامة ومستقرة».
ويضيف: «خلال هذه الفترة ظهرت أكثر من شخصية وأكثر من تجربة، وبعضها حاول تقديم نفسه كبديل شامل، لكنها جميعاً لم تنجح في تثبيت حضورها على مستوى الشارع، ولا في إنتاج حالة سياسية قادرة على الاستمرار».
ولهذا السبب تحديداً، بحسب بيرم، بقيت «الحريرية السياسية» قائمة، ولو بحدها الأدنى، لأنها لم تكن مجرد زعامة انتخابية عابرة، بل حالة تراكمت على مدى سنوات، وارتبطت بشبكة اجتماعية وخدماتية وبذاكرة سياسية عند شريحة واسعة من اللبنانيين.