المحلية

وليد خوري

وليد خوري

ليبانون ديبايت
الجمعة 20 شباط 2026 - 08:53 ليبانون ديبايت
وليد خوري

وليد خوري

ليبانون ديبايت

35 مليون دولار تشعل معركة الصلاحيات: ديوان المحاسبة في مواجهة الدستور

35 مليون دولار تشعل معركة الصلاحيات: ديوان المحاسبة في مواجهة الدستور

"ليبانون ديبايت" - وليد خوري

ليس الخلاف اليوم حول أرقام فقط. 35 مليون دولار رقم صادم في بلد يرزح تحت الانهيار. لكن ما يتجاوز الرقم هو المسار الذي اختاره ديوان المحاسبة، وحدود الصلاحيات التي رسمها لنفسه، والسؤال الأخطر: هل نحن أمام ترسيخ لرقابة مالية مشروعة، أم أمام سابقة قد تفتح الباب لاستخدام الصلاحيات القضائية في صراع سياسي مقنّع؟


قرار ديوان المحاسبة في ملف مبنى “قصابيان” والبلوكين B و C في الباشورة لم يكن عادياً. الغرامات مرتفعة، الأسماء ثقيلة، والرسالة مباشرة: الوزراء ليسوا فوق المساءلة المالية. في الشكل، تبدو الخطوة تقدماً في اتجاه محاسبة طال انتظارها. لكن في الجوهر، يتكشف نزاع دستوري عميق حول مدى أحقية الديوان في مساءلة الوزراء مباشرة، متجاوزاً المسار الدستوري الخاص بمحاكمتهم.


هنا تبرز الاستشارة القانونية التي أعدّها القاضي في منصب الشرف الدكتور الياس ناصيف، لا كدفاع عن أشخاص، بل كإعادة تثبيت لمرجعية الدستور. الاستشارة لا تنكر ضرورة المحاسبة، بل ترفض أن تتحول الرقابة إلى مسار بديل عن النص الدستوري.


المواد 70 و71 و80 من الدستور واضحة: اتهام الوزراء من صلاحية مجلس النواب، ومحاكمتهم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. هذه ليست تفصيلاً إجرائياً، بل منظومة كاملة صُممت لضبط مساءلة السلطة التنفيذية ضمن توازن دقيق بين السلطات. عندما يتجاوز ديوان المحاسبة هذا الإطار، ويعتبر نفسه مختصاً بمحاكمة الوزراء باعتبارهم داخلين في مفهوم “الموظف العام” أو “من يتدخل في إدارة المال العام”، فإنه لا يمارس رقابة مالية فقط، بل يعيد تفسير النظام الدستوري من زاوية رقابية.


الاستشارة تصيب في لبّ المسألة: الاختصاص ليس شكلياً، بل ضمانة دستورية. السماح لأي مرجع بتجاوز المسار المحدد في المادة 70 بذريعة حماية المال العام يعني عملياً إفراغ النص من مضمونه. الأخطر أن ذلك يخلق مساراً موازياً للمجلس الأعلى، ويؤسس لازدواجية في المرجعيات قد تنتهي بأحكام متناقضة، ما يضرب الأمن القانوني ويُضعف هيبة المؤسسات بدل تعزيزها.


المعضلة الثانية تتصل بتوصيف الفعل. هل ما حصل في عقود الإيجار والشراء هو “إخلال بالواجبات المترتبة على الوزير” أم “جرائم عادية”؟ الاستشارة تميّز بين الحالتين بوضوح: إذا كان الفعل متصلاً مباشرة بممارسة الصلاحيات الوزارية، حتى مع وجود خطأ في التقدير، فهو يدخل ضمن نطاق المساءلة الدستورية. أما إذا توافرت عناصر جرم جزائي كالرشوة أو الاختلاس، فالمسار الطبيعي هو القضاء العدلي. إنشاء مسار ثالث عبر رقابة مالية موسّعة يعني توسيعاً اجتهادياً للنصوص يتجاوز بنيتها الأصلية.


تضاف إلى ذلك مسألة صفة الوزير. الوزير، وفق نظام الموظفين، ليس موظفاً عاماً تقليدياً. إخضاعه لرقابة “قضائية على الموظفين” يثير سؤالاً جوهرياً: هل يجوز إدخال صاحب الصفة الدستورية في إطار مساءلة إدارية صُمم أصلاً للموظف الإداري؟ الاستشارة تجيب بالنفي، معتبرة أن الوزير يخضع لنظام مساءلة خاص ومحدد دستورياً، وأن توسيع مفهوم “بحكم الموظف” ليشمله هو التفاف على هذا النظام.


في بلد كلبنان، حيث تتقاطع السياسة بالقضاء، لا يمكن تجاهل البعد السياسي للمسألة. توسيع صلاحيات مرجع رقابي بهذا الشكل، من دون حسم دستوري واضح، يفتح الباب أمام احتمالات التوظيف السياسي. اليوم قرار يطاول فريقاً، وغداً قرار يطاول فريقاً آخر. من يضمن أن لا تتحول الرقابة إلى أداة ضغط في معارك السلطة؟ من يضمن أن لا يصبح تفسير الصلاحيات رهناً بالظرف السياسي؟


الاستشارة لا تتغافل عن المال العام، بل تعيد وضع استرداده ضمن مسار قانوني متماسك. فهي تثير أيضاً مسألة مرور الزمن، وتؤكد أن اعتبار المخالفة “خفية” يجب أن يثبت بصورة قاطعة، وإلا سقطت الملاحقة. كما تشدد على أن المسؤولية الشخصية للوزير من ماله الخاص ليست قاعدة عامة، بل استثناء محدد في قانون المحاسبة العمومية. تحميل الوزير مسؤوليات مالية ضخمة خارج هذا الإطار قد يرضي الرأي العام الغاضب، لكنه يهدد بتحويل العمل الوزاري إلى مخاطرة مفتوحة، ما قد يؤدي إلى شلل في القرار العام.


ثم إن العدالة لا تُختزل بشخص واحد. القرارات التعاقدية تمر عبر شركات، مجالس إدارة، لجان، تقارير خبراء، أجهزة رقابية. حصر المسؤولية بالوزير وحده قد يبدو سياسياً جذاباً، لكنه لا يعكس دائماً الواقع الإداري المعقّد. العدالة الحقيقية تتطلب تفكيك سلسلة القرار كاملة، لا الاكتفاء بعنوان سياسي.


المسألة إذاً ليست دفاعاً عن وزير أو اعتراضاً على محاسبة. إنها معركة حول حدود الصلاحيات. فإذا تحولت الرقابة إلى اجتهاد مفتوح يتجاوز النصوص، فإن النتيجة لن تكون دولة قانون أقوى، بل دولة تتنازع فيها المرجعيات. وإذا أصبح كل مرجع يحدد لنفسه حدود اختصاصه، فإن النظام الدستوري يتحول إلى مساحة تأويل لا إلى إطار ملزم.


المحاسبة في لبنان مطلوبة، بل ملحّة. لكن المحاسبة خارج الدستور ليست إصلاحاً، بل مغامرة. استرداد المال العام هدف مشروع، لكن الطريق إليه لا يمر بكسر التراتبية الدستورية. بين قرار ديوان المحاسبة واستشارة القاضي ناصيف، يبقى السؤال معلقاً: هل نريد عدالة راسخة تحترم الدستور، أم قرارات مدوّية قد تسقط عند أول اختبار قضائي أعلى؟


الجواب لن يحدد مصير هذا الملف فقط، بل سيحدد شكل العلاقة بين الرقابة والسياسة في لبنان. وإذا لم تُرسم الحدود بوضوح اليوم، فقد نكتشف غداً أن سابقة الـ35 مليون دولار أخطر بكثير من الرقم نفسه.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة