في خضمّ التصعيد المتزايد في الشرق الأوسط، لم تأتِ الإشارات هذه المرة عبر بيانات سياسية أو مواقف دبلوماسية، بل عبر شاشات رادار مفتوحة المصدر. فقد كشفت بيانات ملاحية عن أربع رحلات لطائرة شحن روسية ثقيلة إلى العاصمة الإيرانية طهران خلال 10 أيام فقط، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، ما فتح باب التساؤلات حول دلالات هذا التحرك: هل تتحرك موسكو بصمت، أم تتعمد أن تُرى؟
وأظهرت بيانات التتبع الجوي لمنصة فلايت رادار24 هبوط طائرة شحن روسية من طراز “إليوشن 76 تي دي” في طهران، في رابع رحلة تنفذها الطائرة نفسها خلال عشرة أيام. وتحمل الطائرة رقم التسجيل (RA-76373)، وتتبع شركة جيلكس إيرلاينز المتخصصة في الشحن الثقيل، والتي سبق أن ارتبط اسمها بتحركات لوجستية في مناطق صراع مثل ليبيا وسوريا.
وبحسب البيانات، هبطت الطائرة في طهران قبل أن تقلع بعد ساعات عائدة إلى روسيا. وكانت “وحدة المصادر المفتوحة” قد رصدت ثلاث رحلات سابقة للطائرة ذاتها إلى إيران في أيام 14 و15 و16 شباط 2026، ما يعكس نمطًا متكررًا خلال فترة زمنية قصيرة.
ولا يقتصر اللافت في هذه الرحلات على عددها فحسب، بل على طريقة تنفيذها. إذ لم تُخفَ بيانات الرحلات، ولم يُعطَّل بثها، ولم تعتمد مسارات ملتوية أو رموز نداء غير اعتيادية، بل كانت مرئية بالكامل عبر منصات التتبع المدني.
وفي العادة، تميل الدول في السياقات العسكرية الحساسة إلى تقليص بصمتها الرقمية الجوية. غير أنّ ما جرى هنا يوحي بأن الظهور العلني جزء من الرسالة، ما يحوّل السؤال من “ماذا تحمل الطائرة؟” إلى “لماذا الآن؟”.
يتزامن هذا النشاط الجوي مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة و**إيران**، ومع تهديدات أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لطهران في حال عدم التوصل إلى “صفقة جيدة” بشأن برنامجها النووي.
كما يأتي ذلك بعد ما كشفته صحيفة فايننشال تايمز عن وثائق ومصادر مطلعة أفادت بوجود طلب إيراني لأنظمة دفاع جوي روسية بقيمة تقارب 500 مليون يورو، قُدّم في تموز الماضي، بعد أيام من انتهاء الحرب التي استمرت 12 يومًا.
ورغم عدم وجود دلائل علنية على طبيعة الشحنات التي نُقلت في الرحلات الأخيرة، فإن التوافق الزمني يمنح هذه الحركة الجوية بعدًا سياسيًا يتجاوز طابعها اللوجستي.
وتُعد طائرة “إليوشن 76 تي دي” من أبرز طائرات الشحن العسكري-المدني الروسية، وقادرة على نقل عشرات الأطنان من المعدات لمسافات بعيدة. واستخدامها في رحلات متقاربة زمنياً يشير إلى قدرة على تنفيذ جسر جوي سريع إذا دعت الحاجة.
وفي الأزمات الدولية، لا تُختصر الرسائل بالتصريحات فقط. فحاملات الطائرات، والقاذفات الاستراتيجية، وحتى مسارات الطيران المدني قد تتحول إلى أدوات إظهار موقف. وإبقاء الرحلات الروسية إلى طهران مرئية عبر أنظمة التتبع المفتوحة قد يُفهم على أنه إشارة دعم روسي متواصل لإيران في لحظة توتر، من دون إعلان رسمي أو استعراض عسكري مباشر.
صحيح أن بيانات الرادار لا تكشف محتوى الشحنات، لكنها تكشف الإيقاع. وأربع رحلات خلال عشرة أيام ليست تفصيلاً عابرًا في ظرف إقليمي محتقن. فهل هي مجرد عمليات شحن اعتيادية ضمن تعاون قائم منذ سنوات؟ أم أن تكرارها في هذا التوقيت يحمل رسالة ردع غير معلنة موجّهة إلى واشنطن؟