"ليبانون ديبايت" - باسمة عطوي
ليس أمرا عاديا أن تُعلن قوى الأمن الداخلي عن تسطير مفارز السير فيها، 25,194 محضر ضبط سرعة زائدة في جميع المناطق اللبنانية بين 5/1/2026 و16/2/2026، أي خلال 6 أسابيع بمعدّل 4,199 محضر ضبط في الأسبوع، أو 600 محضر ضبط في اليوم، أو 25 ضبط في كل ساعة. فهذا الرقم يفتح الباب ليس فقط للبحث عن سبب تهور السائقين اللبنانيين في قيادة سيّاراتهم، وتعريض حياتهم وحياة الآخرين للخطر، بل للإجراءات التي تقوم بها الدولة لتأمين السلامة المرورية في لبنان، والتي يُجمع الخبراء على أنها غير كافية حالياً ولا تؤمن مستوى حماية مقبولاً رغم وجود قانون سير متطور (قانون 243). إذ تواجه هذه الإجراءات تحديات كبيرة تتعلق بضُعف التطبيق، التدهور البنيوي للطرق، غياب التوعية المستدامة، وضعف الرقابة الميكانيكية، مما يجعل الحوادث تتزايد نتيجة السرعة، عشوائية الدراجات، وإهمال البنية التحتية، ناهيك عن العدوانية التي يُبديها العديد من السائقين على الطرقات، والتي تحول قيادة السيارات إلى معارك يومية يسقط فيها ضحايا وجرحى.
بلغة الأرقام الحد الأدنى للغرامة هو مليون ليرة لبنانية ويمكن أن يصل إلى مليونان، ومجموع الغرامات التي تمّ تحصيلها خلال 6 أسابيع هي 25194000000 ليرة لبنانية أو 281.5 ألف دولار، وتحوّل هذه الغرامات لصالح صندوق الاحتياط في قوى الامن الداخلي (20 بالمئة)، والبلديات (16 بالمئة) والخزينة (64 بالمئة).
في حين أنه يستفيد من الغرامات المُحصلة من الأحكام القضائية (الناتجة عن حوادث السير)، كل من صندوق الإحتياط بقوى الأمن الداخلي بنسبة( 20 بالمئة)، والبلديات( 16 بالمئة) وصندوق تعاضد القضاة( 30 بالمئة) والصندوق التعاوني للمساعدين القضائيين( 20 بالمئة) والخزينة العامة( 14 بالمئة). وعلى الرغم من أن وزارة الداخلية تعلن عن تشديد الإجراءات، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى الحاجة لخطة وطنية شاملة ومُستدامة لتقليل الوفيات والحوادث. صحيح أن محاضر الضبط في لبنان ضرورة مُلحة، ولكن فعاليتها القصوى تعتمد على الصرامة في التحصيل وتحديث القانون ليكون رادعاً فعلياً.
الزين: التوعية عن مخاطر السرعة شبه غائبة!
يُسجّل خبير النقل الدكتورعلي الزين عبر ل"ليبانون ديبايت" ،عدة ملاحظات حول طريقة تسطير ضبط السرعة بحق السائقين المُخالفين، فيقول :"أولا هناك مُشكلة حول الرقم الصادر عن قوى الأمن الداخلي أعلاه، فبعد الأزمة المالية لم يعد هناك خريطة واضحة لتوزيع ردارات السرعة على الطرقات في لبنان ولم نعد متأكدين من فعاليتها"، مُشيرا إلى أن "أحد أصدقائه تمّ تسطير 4 محاضر ضبط سرعة زائدة بحقه، لأنه يسير على سرعة 80 كلم بالساعة على الأوتستراد، وحين تمّ إبلاغه بالضبط لم يتضمن معلومات عن السرعة التي يجب أن يسير عليها لتفادي الضبط مرة ثانية، أو إعطائه دليل على أنه تخطى السرعة المسموحة".
يضيف:" النقطة الثانية هي أن قيمة الضبط لا تتخطى 22 دولار وهو مبلغ غير رادع. أما النقطة الثالثة فهي أن الرادار ليس وسيلة رادعة لعدم السرعة، لأنه حين يعلم السائق مكانه يمكن أن ينضبط بالقوانين ثم يعود للقيادة بتهور بعد تجاوزه.الأهم هو أن تكون هيكلية الطرقات تُساعد على الحدّ من السرعة بالإضافة إلى التوعية من مخاطرها"، جازما أنه "لا توجد في لبنان حملات عن مخاطر السرعة إلا في ليلة رأس السنة وتغيب باقي أيام العام، لنبدأ بعد الضحايا والجرحى الذين يسقطون يوميا من دون أن يتم معالجة هذه المُعضلة، التي تحولت إلى أزمة وطنية حقيقية وعدد الضحايا الذين يسقطون يوميا بسببها، يُقارب عدد الشهداء الذين يستهدفهم العدو الاسرائيلي يوميا".
يُشدّد الزين على أن"كل روح غالية ولكن في الحالتين ليس هناك أي إجراء من قبل الدولة، والفرق أنه في ما يتعلق بالسلامة المرورية يمكن للدولة أن تتخذ إجراءات على الأرض. هناك مجلس الوطني للسلامة المرورية وبحسب القانون يجب أن يجتمع مرة كل 3 أشهر وعند الحاجة، برئاسة رئيس الحكومة وعضوية كل من وزراء الداخلية والتربية والنقل والعدل ويمكن الإستعانة بخبراء سير"، لافتا إلى أن "القانون ينص على ضرورة إجتماعهم مرة كل ثلاثة أشهر، لكن آخر مرة إجتمع كان في عهد الرئيس نجيب ميقاتي عقب مقتل الفنان جورج الراسي بحادث سير، ولم يجتمع ولا مرة في عهد حكومة الرئيس نواف سلام".
ويختم:"النشاط الوحيد الذي يتم في ما يتعلق بالسلامة المرورية، هو إجتماعات تعقدها اللجنة الوطنية للسلامة المرورية ويترأسها وزير الداخلية. وبإستثناء هذا النشاط لا إجراءات حقيقية يتم إتخاذها للحد من الحوادث والسرعة".
لماذا يقود السائق اللبناني بتهور؟
يُرجع الخبراء أسباب التهور في قيادة السيارات في لبنان إلى مزيج من السرعة الزائدة، وضعف تطبيق قوانين السير، والقيادة العدوانية (التزمير المُفرط والضغط على السائقين الآخرين للسرعة، مما يسبب التوتر والحوادث)، البنية التحتية المتهالكة، وغياب التوعية، مما يجعل القيادة الدفاعية ضرورة.
وبحسب التقارير، تُعدّ السرعة الزائدة السبب الرئيسي لحوادث إنقلاب السيارات، حيث يصعب التحكم بالمركبة عند السرعات العالية. بالإضافة إلى نقص التدريب الفعلي فهناك حاجة ملحّة للتركيز على القيادة الإحترازية بدلاً من حملات التوعية النظرية .