ألقى رئيس مجلس الوزراء نواف سلام كلمةً خلال حفل الإفطار الذي أقامه مساء اليوم في السراي الحكومية، تناول فيها مسار عمل الحكومة بعد مرور عام على نيلها ثقة مجلس النواب، محدّدًا التحديات والخيارات التي واجهتها البلاد في مرحلة وصفها بغير العادية.
وقال سلام إن شهر رمضان يحمل معاني الصبر ومساءلة النفس، مذكّرًا بأن الثقة في العمل العام لا تُصان إلا بالصدق، ما يستوجب تسمية الأمور بأسمائها ووضع الحقائق كاملة أمام الرأي العام من دون مبالغة في الإنجازات أو تبرير للتقصير. وأكد أن الحكومة، بعد سنة من العمل، لا تدّعي تحقيق المعجزات، إذ إن معاناة اللبنانيين أكبر من أي إنجاز، إلا أنها وضعت الأسس اللازمة لمواجهة التحديات وبدأت بتغيير مسار كان يقود حتمًا إلى انهيار كامل للدولة والمجتمع.
وأشار إلى أن الحكومة تسلّمت مسؤولياتها في ظلّ خامس سنة من الانهيار المالي والاقتصادي، الذي أودى بمدّخرات اللبنانيين وقيمة أجورهم، وأدخل البلاد في حلقة أزمات متتالية، أدّت إلى ارتفاع الفقر ثلاثة أضعاف ليطال واحدًا من كل ثلاثة لبنانيين، وتراجع حجم الاقتصاد بنحو 40 في المئة. ولفت إلى أن عقودًا من ثقافة الإفلات من العقاب واستباحة المال العام وانعدام المساءلة عمّقت فقدان الثقة بالدولة لدى المواطنين، وكذلك لدى الأشقاء العرب والمجتمع الدولي.
وعدّد سلام ثلاثة تحديات كبرى واجهت بناء الدولة: الأمن والدفاع واستعادة السيادة، إطلاق مسار التعافي المالي والاقتصادي والإصلاح، وبدء عملية المساءلة والمحاسبة، معتبرًا أن هذه المسارات مترابطة. وأوضح أن الحكومة منذ اليوم الأول تعاملت مع التزاماتها بوصفها التزامًا واضحًا بالتنفيذ لا مجرّد تمنّيات.
وفي الشق الأمني، ذكّر بأن الحكومة أعلنت في 5 آب 2025 عزمها حصر السلاح بيد الدولة، وكلّفت الجيش اللبناني إعداد الخطة وتنفيذها. وأشار إلى أن الجيش أنجز في نهاية العام المنصرم المرحلة الأولى من الخطة جنوب نهر الليطاني، في خطوة اعتبرها الأولى من نوعها منذ عام 1969 لجهة استعادة السيطرة العملانية الكاملة على هذه المنطقة. كما كشف أن الجيش أبلغ الحكومة استعداده لتنفيذ المرحلة الثانية شمالًا بين نهري الليطاني والأولي، موضحًا أن هذه المهمة قابلة للتحقيق خلال أربعة أشهر في حال توافرت العوامل المساندة نفسها، ومؤكدًا التزام الحكومة بتأمين الإمكانات المطلوبة للجيش واستمرار احتضانه سياسيًا وشعبيًا.
وشدّد سلام على أن بسط سيادة الدولة لا يقتصر على حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، بل يتطلّب أيضًا حضور الدولة الإنمائي والرعائي. وفي هذا الإطار، أكد أن التزام الحكومة بإعادة إعمار الجنوب ثابت منذ اليوم الأول، موضحًا أنه عاد إلى الجنوب حاملًا مشاريع محددة ومسارات تنفيذ وتمويلًا مخصّصًا بدأ تأمينه، بهدف إعادة الناس إلى بيوتهم وحقولهم ومدارسهم، وترسيخ حضور الدولة في البناء والإنماء لا الاكتفاء بالوعود.
وعلى المستوى الخارجي، أشار إلى أن استعادة موقع لبنان ودوره تقوم على المصلحة الوطنية العليا، لا على مصالح فئوية، لافتًا إلى أن من أولويات الحكومة إعادة وصل لبنان بعمقه العربي على قاعدة الثقة المتبادلة، بما يترجم دعمًا سياسيًا وانفتاحًا استثماريًا، مقابل التزام لبنان بأن يكون شريكًا موثوقًا لا ساحة لصراعات إقليمية. كما تحدّث عن إعادة تصويب العلاقة مع سوريا على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وفي مسار الإصلاح والتعافي، أعلن سلام أن الحكومة باتت، مقارنة بمراحل الأزمة السابقة، في أقرب نقطة للعودة إلى الانتظام المالي، ما يمهّد للخروج من كابوس الانهيار الذي صنّفه البنك الدولي من بين أكبر ثلاثة انهيارات اقتصادية في التاريخ الحديث. وأشار إلى الترابط بين الخطوات الإصلاحية، ومنها مشروع قانون الفجوة المالية الذي أرسى مبادئ المحاسبة، وقانون رفع السرية المصرفية بمفعول رجعي، وقانون إصلاح أوضاع المصارف، مؤكدًا أن مشروع قانون الفجوة بات في عهدة البرلمان وأن الحكومة منفتحة على مناقشته وتطويره.
كما لفت إلى أن المرحلة المقبلة تشمل إعداد الإطار المالي المتوسّط الأجل، بما يسمح بتخطيط الإنفاق والجباية لخمس سنوات، وإصلاح النظام الضريبي ليصبح أكثر عدالة. وأكد أن الإصلاح شمل أيضًا تعزيز استقلالية القضاء، اعتماد آليات أكثر شفافية في التعيينات الإدارية، تشكيل الهيئات الناظمة في قطاعات حيوية، وإطلاق مسار الرقمنة في الإدارات العامة.
وفي ملف المساءلة والمحاسبة، أشار سلام إلى خطوات صارمة لملاحقة المتهرّبين ضريبيًا وجمركيًا، ما أدّى إلى مضاعفة الإيرادات الجمركية، إضافة إلى بدء تحصيل الغرامات المتوجبة على أصحاب المقالع والكسارات والمعتدين على الأملاك العامة، مؤكدًا أن الحكومة ماضية في فرض التحصيل عبر القضاء.
وختم سلام بالتأكيد أن لبنان يعيش في منطقة متقلّبة، وأن الحكومة لن تقبل بزجّ البلاد في مغامرات أو حروب جديدة، داعيًا إلى تغليب العقل والحكمة والمصلحة الوطنية. وأشار إلى أن عمر الحكومة ينتهي مع إنجاز الاستحقاق الانتخابي، معتبرًا أن الأهم هو وضع البلاد على مسار مختلف يعيد بناء الدولة ومؤسساتها ويستعيد ثقة المواطنين ويفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب.