لكن المفارقة هي أنه قبل هذا الاجتماع، وفي سابقة إدارية ومالية خطيرة، أقدمت وزارة البيئة على تجميد أوامر التحصيل الصادرة بحق مستثمري المقالع والكسارات في لبنان، بذريعة وجود “أخطاء في التقدير والاحتساب” و”التباسات في أسماء المكلفين والمساحات”. وقد شكّل هذا القرار تراجعاً فاضحاً عن أحد أبرز التدابير الإصلاحية التي اتُّخذت لضبط الانفلات المزمن في هذا القطاع واستيفاء بدلات التدهور البيئي المستحقة للخزينة.
فقد نصّ قانون الموازنة العامة لعام 2019، في مادته الحادية والستين، على فرض رسوم على استثمار المقالع والكسارات وبدلات عن الأضرار البيئية الناجمة عنها، وصدر المرسوم التطبيقي رقم 6569/2020 لتنفيذ هذه المادة استناداً إلى كشوفات ميدانية وتقارير علمية حدّدت حجم التعديات والكلفة الفعلية لإعادة التأهيل. وبناءً عليه، نظّمت وزارة البيئة، بالتعاون مع وزارة المالية، أوامر تحصيل بحق عدد كبير من المستثمرين، تجاوز مجموعها ما يعادل ملياري دولار أميركي، وأُحيلت إلى القضاء المختص وفقاً للأصول.
للاطلاع على المرسوم اضغط هنا
إلا أنّ وزارة البيئة عادت، بصورة مفاجئة، إلى التشكيك بالكشوفات نفسها التي سبق أن استندت إليها، وأثارت أمام مجلس الوزراء إشكاليات حول دقتها، ما انتهى إلى صدور قرار حكومي يقضي بإعادة الكشف ونسب أوامر التحصيل، خلافاً للأصول القانونية التي تحكم استقرار المعاملات الإدارية والمالية، وخلافاً لولاية القضاء المختص الذي أصبحت هذه الأوامر معروضة أمامه.
للاطلاع على القرار اضغط هنا
وبعد أشهر، عادت وزارة المالية لتعرض الملف مجدداً على مجلس الوزراء، متذرعة بضرورة تأمين مبلغ يقارب 800 ألف دولار أميركي للجيش اللبناني لإعادة إجراء الكشوفات على المقالع والكسارات. وهكذا، وبدلاً من أن تبادر الدولة إلى تحصيل مليارات الدولارات المستحقة لها قانوناً، جرى تعطيل أوامر التحصيل والتشكيك بها، ثم السعي إلى إنفاق أموال إضافية من الخزينة لإعادة أعمال سبق إنجازها، في مشهد يجسّد هدراً مزدوجاً للمال العام وتضييعاً متعمداً لحقوق الدولة.
إن ما حصل بين وزارتي البيئة والمالية لا يمكن توصيفه إلا كمسار منهجي لتعطيل تحصيل المستحقات البيئية، بما يصب عملياً في مصلحة كبار المستثمرين والمقاولين في قطاع المقالع والكسارات، الذين لطالما تهرّبوا من الامتثال للقانون ومن تحمّل كلفة الأضرار التي ألحقوها بالبيئة والموارد الطبيعية.
وتتفاقم خطورة هذا المسار حين يُقارن بالسياسات المالية التي انتهجتها الحكومة نفسها بحق المواطنين. فالدولة التي تدّعي العجز عن تحصيل مستحقاتها البيئية من كبار الملوّثين، سارعت إلى فرض رسوم إضافية على صفيحة البنزين وزيادة الضريبة على القيمة المضافة، تحت عناوين تمويل دعم متقاعدي وموظفي القطاع العام. وبذلك، جرى تحميل الفئات الأكثر هشاشة كلفة مالية جديدة، فيما جرى تعطيل تحصيل مليارات الدولارات من أكثر القطاعات تحقيقاً للأرباح وأكثرها إضراراً بالبيئة.
وأمام الاعتراضات السياسية والشعبية التي أثارها هذا التناقض، عاد رئيس الحكومة إلى محاولة احتواء الملف عبر اجتماعات شكلية، وإعادة عرضه على مجلس الوزراء في مسعى واضح للتراجع الضمني عن القرارات السابقة الصادرة بناءً على طرح وزارة البيئة، والعودة إلى المسار القانوني الذي كان قائماً قبل تعطيل أوامر التحصيل. إلا أن هذا المسعى، مهما كانت خلفياته، لا يلغي حقيقة ثابتة: أن قرارين حكوميين متتاليين أدّيا عملياً إلى تعطيل تحصيل مستحقات بيئية بمليارات الدولارات، وإلى تعريض الخزينة لخسائر جسيمة.
إن تجميد أوامر التحصيل في قطاع المقالع والكسارات يشكّل:
• انتهاكاً لمبدأ فصل السلطات عبر تعطيل مسار قضائي قائم،
• تقويضاً مباشراً لمبدأ “الملوِّث يدفع”،
• وإخلالاً صارخاً بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة، عبر حماية كبار المخالفين مقابل تحميل المواطنين أعباء ضريبية إضافية.
إن الوقائع الموثّقة في قرارات مجلس الوزراء والمراسلات الرسمية المرفقة بهذا المقال تؤكد أن الحكومة الحالية، بدلاً من ترسيخ العدالة البيئية، اختارت عملياً حماية المتعهدين والمقاولين ومخالفي قوانين المقالع، في الوقت الذي شددت فيه الجباية على السائقين العموميين وموظفي الدولة وعموم المكلفين.
وعليه، فإن المطلوب ليس اجتماعات شكلية ولا محاولات حفظ ماء الوجه، بل العودة الفورية إلى تنفيذ أوامر التحصيل وفق الأصول، ووقف أي إجراءات من شأنها تعطيلها أو إعادة فتحها إدارياً خلافاً للقانون، ومحاسبة المسؤولين عن تعطيل تحصيل حقوق الخزينة وإلحاق الضرر بالمال العام والبيئة.
إن الدولة التي تبحث عن “فلس الأرملة” في جيوب المواطنين، فيما تفرّط بمليارات الدولارات المستحقة لها من كبار الملوّثين، لا يمكن أن تدّعي التزام العدالة الضريبية أو البيئية. والعدالة البيئية في لبنان ستبقى منقوصة ما دامت السلطة تختار حماية المخالفين بدل إلزامهم بدفع كلفة التدهور الذي تسببوا به.