المحلية

بيا ماريا عيد

بيا ماريا عيد

ليبانون ديبايت
الخميس 26 شباط 2026 - 15:28 ليبانون ديبايت
بيا ماريا عيد

بيا ماريا عيد

ليبانون ديبايت

بين غزة و"ريتا والبندقية"... هل يبقى مكان للفرد في زمن الصراع؟

بين غزة و"ريتا والبندقية"... هل يبقى مكان للفرد في زمن الصراع؟

"ليبانون ديبايت"

في خضمّ الحرب المفتوحة على قطاع غزة، حيث يُعاد تشكيل المشهد الفلسطيني–الإسرائيلي بلغة النار والخرائط العسكرية، يبرز سؤال يتجاوز ميادين القتال: كيف تتحوّل السياسة في زمن الحروب إلى قوة تُقصي الفرد، وتُذيب العلاقات الإنسانية، وتُعيد تعريف البشر بوصفهم مواقع داخل صراع لا يعترف بالحياد؟


في هذا الإطار، يكتسب خبر وفاة تمار بن عامي، ملهمة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، دلالة تتجاوز بعدها الشخصي. فقد خلّدها في قصيدته الأيقونية "ريتا والبندقية"، حيث تحوّلت العلاقة الخاصة إلى استعارة مكثّفة لصراع سياسي يفصل بين العاطفة والواقع، ويضع الحب في مواجهة البندقية.


هذه الواقعة لا تُقرأ كحدث إنساني معزول، بل كمرآة مبكرة لمأزقٍ مستمر: استحالة الفصل بين الإنسان والسياسة في نزاع يعيد تشكيل الحياة الفردية ضمن منطق مواجهة شاملة.


ومن هنا، لا يمكن اختزال ما يجري في غزة في كونه مواجهة عسكرية فحسب، بل هو نموذج مكثّف لمنظومة صراع تُخضع تفاصيل الحياة اليومية لمعادلات القوة. في هذه المنظومة، لا يُنظر إلى الأفراد كذوات مستقلة، بل كامتدادات لهويات جماعية مُسيَّسة: فلسطيني مقابل إسرائيلي، تهديد مقابل ضحية، وجود مقابل نفي.


هذا المنطق لم يولد اليوم. فالعلاقة التي جمعت درويش بتمار بن عامي في ستينيات القرن الماضي تكشف، على مستوى رمزي، كيف تُلغى الفردية حين تصطدم ببنية صراع تُعرّف الإنسان وفق موقعه القومي لا وفق خياراته الشخصية. الهوية تصبح قدرًا مفروضًا، والاصطفاف يتحوّل إلى شرط وجود، فيما تُدان أي مساحة رمادية بوصفها خروجًا عن الإجماع.


الفارق بين الأمس واليوم يكمن في مستوى العنف، لا في جوهر المعادلة. فالحرب الراهنة أعادت إنتاج صورة "العدو" بحدّة غير مسبوقة، حيث يُختزل الآخر في تعريف أمني مجرّد من إنسانيته، وتُبرَّر سياسات التجويع أو التهجير أو الاستهداف ضمن خطاب شامل للصراع. ومع كل تصعيد، تتراجع القصص الفردية إلى الهامش، ويُعاد تعريف البشر باعتبارهم كتلًا سكانية داخل معادلة أمنية.


من هنا، تبدو المقارنة بين قصة فردية من الماضي والحرب الحالية كاشفة لآلية ثابتة في الصراعات الممتدة: تحويل الخاص إلى عام، والوجداني إلى سياسي، والإنساني إلى جزء من خطاب القوة. في غزة، تُختصر العائلة والحب والطفولة والمستقبل في حسابات عسكرية، كما كانت العلاقات العابرة للهويات في مراحل سابقة تُختصر في سؤال الولاء والانتماء. السياق تغيّر، لكن المنطق واحد: تضييق المجال أمام الإنسان بوصفه قيمة مستقلة.


السؤال الذي تطرحه غزة اليوم ليس أخلاقيًا فحسب، بل سياسي بامتياز: هل يمكن استعادة فضاء يُعترف فيه بالفرد خارج منطق القوة؟ الإجابة تبقى رهينة بنية الصراع نفسها. ما لم تُعالج جذور النزاع واختلال ميزان القوى وإنكار الحقوق، سيظل البعد الإنساني عرضة للتهميش، وتبقى كل محاولة لإعادة الاعتبار له محكومة بسقف الواقع السياسي.


من غزة إلى تجارب الأمس، تتكرّر الخلاصة ذاتها: حين تتحوّل السياسة إلى صراع مفتوح يهيمن على كل شيء، تتقلّص مساحة الفرد، وتتراجع العلاقات الإنسانية أمام خطاب القوة، فيما تبقى الأسئلة الكبرى معلّقة بانتظار تسوية لم تنضج بعد.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة