الأخبار المهمة

باسمة عطوي

باسمة عطوي

ليبانون ديبايت
الجمعة 27 شباط 2026 - 07:00 ليبانون ديبايت
باسمة عطوي

باسمة عطوي

ليبانون ديبايت

الإعتراض على الضرائب لن يتحول إلى ثورة: السلطة دجّنت النقابات!

الإعتراض على الضرائب لن يتحول إلى ثورة: السلطة دجّنت النقابات!

"ليبانون ديبايت" - باسمة عطوي


ليست أحوال الطقس وحدها هي السبب في عدم تحرّك الشارع بشكل ضاغط وفعّال يوم الخميس كما كان مقرّرًا، اعتراضًا على قرارات الحكومة الأخيرة بزيادة الضرائب على البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة (TVA) إلى 12 بالمئة. صحيح أن هذه الخطوة أثارت سخطًا واسعًا لدى اللبنانيين في ظل غلاء معيشي حاد وضعف القدرة الشرائية، إلا أن الأسباب التي تقف وراء تأجيل التحرّك أكثر تشابكًا وتعقيدًا، وقد بدأت بوادرها منذ تسعينات القرن الماضي، حيث برعت السلطة السياسية في تهشيم هيكلية النقابات التي “توجع الرأس”، وإعادة تركيبها من موالين كانوا ولا يزالون يتحركون شكليًا، وتم تدجينهم للقبول بالحلول الترقيعية التي تفصّلها السلطة السياسية، فيرتدونها من دون اعتراض حقيقي.


صحيح أن سنن التاريخ تخبر بأن أسرع الطرق لاندلاع ثورة أي شعب هي أن تتعامل السلطة معه وكأنه “بقرة حلوب”، كما جاء في تغريدة النائب جميل السيد، متوقعًا أن “الانفجار الشعبي لم يعد بعيدًا، في ظل دولة لا توفّر لمواطنيها ماءً ولا كهرباء ولا طرقات ولا فرص عمل، ولا حتى خدمات إدارية تحترم حاجاتهم وكرامتهم”، لكن في لبنان هذا المسار ليس حتميًا لأسباب عدة، منها:


أولًا: أثبتت السلطة منذ أكثر من ثلاثة عقود أنها ماهرة في تطبيق سياسة “فرّق تسد” مع النقابات العمالية. وأقرب مثال على ذلك هو “إلغاء تحرّك الخميس”. ففي الوقت الذي لم تستطع فيه إرضاء موظفي الإدارة العامة ومتقاعدي الأسلاك العسكرية في الزيادات التي أُضيفت إلى رواتبهم، نجحت في خلق بوادر معركة بين النقابات، من خلال منح تعويض لسائقي السيارات العمومية الشرعية العاملة على البنزين بمبلغ 12 مليون ليرة لبنانية شهريًا، بشرط الإبقاء على التعرفة الحالية للنقل، ما أدى إلى تعليق التحرّك الذي كان مقررًا. بعدها أصدر موظفو الإدارة العامة والمتقاعدون بيانًا شديد اللهجة تجاه السلطة السياسية، التي تمكنت من إيجاد مصادر تمويل لتعويضات السائقين وحجبتها عنهم. وهذا يعني أن السلطة نجحت مرة أخرى في ضرب التنسيق بين النقابات عبر تغذية الانقسامات بينهم.


ثانيًا: نجحت السلطة في إضعاف القاعدة الاجتماعية للنقابات. فالأزمة الاقتصادية منذ 2019، خاصة بعد انتفاضة احتجاجات 17 تشرين، أدت إلى انهيار قيمة الأجور، وهجرة أعداد كبيرة من العمال، وتوسّع الاقتصاد غير النظامي، مما زاد من صعوبة تنظيم العمال نقابيًا. وهذا الواقع جعل القدرة على الحشد أضعف مما كانت عليه في تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية.


ثالثًا: بالرغم من أن أغلب الشعب اللبناني طالته نتائج الانهيار المالي منذ العام 2019، وغرق ولا يزال في معاناة معيشية مستمرة من دون أفق للحلول، جرى تسييس المطالب المعيشية بدلًا من أن تكون ذات طابع طبقي اجتماعي، وتم ربطها بالاستقطاب السياسي، ما أفقدها بعدها الجامع، خصوصًا في نظام قائم على المحاصصة الطائفية.


رابعًا: تمكّن تحرّك 17 تشرين 2019 المطلبي من أن يكون نسخة متقدمة جدًا من كل الحركات التي سبقته، وخاصة بعد انفجار 4 آب، وخلق دينامية في المجتمع وردة فعل سليمة وصحية جدًا، وهي دينامية مواطنية تريد عدالة اجتماعية ومتجاوزة للطائفية وسلطة الزعماء والمال. هذه الدينامية حصل انقلاب كبير عليها تدريجيًا، وخاصة بعد العدوان الإسرائيلي في أيلول 2024. هذه الدينامية حاليًا مضروبة بالكامل، وعدنا إلى دينامية تهمّش كل شيء وتحصر الموضوع بنقطة واحدة هامة، لكنها تعطل أي شيء آخر، وهي موضوع السلاح والموقف من إسرائيل. إذ حصل مرة أخرى هجوم مضاد على كل مسار الإصلاح المالي والاجتماعي والاقتصادي المطلوب، لتعطيله من جديد، والصراع على أشده في هذا الموضوع.


بمعنى آخر، الدينامية الاجتماعية التي انطلقت بعد 17 تشرين، والتي تجاوزت الطائفية، حوصرت ثم ضُربت ثم أُضعفت، وحلّت مكانها ديناميات تفتيتية للمجتمع اللبناني، وديناميات معطّلة للدولة كي لا تستطيع أن تقوم بمهمة تجاوز الأزمة ببعدها الشامل، وليس ببعدها المرتبط بالعدوان الإسرائيلي فقط.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة