واعتبر جرادة أنّ ما نشهده اليوم ليس حدثًا عابرًا أو تفصيلًا مرتبطًا بجبهة محدّدة، بل هو جزء من تحوّل عالمي أوسع يعيد تشكيل موازين القوى والنظام الدولي. وقال إنّ المنطقة تعيش منذ سنوات ضمن منظومة دولية مستجدّة تتفلّت تدريجيًا من الضوابط الأخلاقية والقانونية التي كانت تنظّم العلاقات بين الدول، ما ينذر بإمكان انزلاق العالم إلى ما يشبه حربًا عالمية ثالثة غير معلنة تتدرّج من ساحة إلى أخرى.
وأضاف أنّ قراءة المشهد الإقليمي يجب ألّا تُختزل بردّ فعل آني، بل ينبغي فهمها في سياق مسار بدأ منذ سنوات، حيث تتكثّف المواجهات وتتصاعد حدّتها تباعًا، مشيرًا إلى أنّ لبنان يجد نفسه في قلب هذه التحوّلات من دون أن يكون قد حسم خياره الداخلي بشكل واضح حول آلية حماية سيادته ومؤسساته.
وفي الشقّ اللبناني، شدّد جرادة على أنّ السيادة والدفاع عن المواطنين، ولا سيّما أبناء الجنوب، يجب أن يكونا مسؤولية الدولة اللبنانية ومؤسساتها حصريًا. وقال إنّ المطلوب موقف وطني جامع يضع الدولة في موقع خط الدفاع الأول عن جميع اللبنانيين، ويمنع أن يتحمّل طرف بعينه تبعات أي اعتداء أو مواجهة محتملة.
وتوقّف عند التصريح الأخير لرئيس الحكومة نواف سلام، الذي دعا فيه الجيش اللبناني إلى تنفيذ قرارات مجلس الوزراء بحصر السلاح شمال الليطاني، مؤكّدًا أنّ أي نقاش حول السلاح أو المفاوضات أو مستقبل المواجهة يجب أن ينطلق من مرجعية الدولة ومؤسساتها الشرعية. ورأى أنّ الدولة، حتى لو كانت موازين القوى لا تسمح لها بالمواجهة العسكرية المباشرة، تبقى قادرة على اتخاذ موقف سياسي واضح يحمي لبنان ويحصّن الجبهة الداخلية.
وأشار إلى أنّ التجارب التاريخية أثبتت أنّ دولًا تعرّضت لحروب مدمّرة لكنها حافظت على كيانها بفضل وحدة موقفها الوطني والتفاف شعوبها حول مؤسساتها. واعتبر أنّ المطلوب في لبنان اليوم ليس انتظار تبدّل الظروف، بل العمل على تعزيز المناخ الوطني وإطلاق حوار استراتيجي دفاعي جامع يؤسّس لرؤية موحّدة تحمي البلاد من الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة.
وختم جرادة بالتأكيد أنّ حماية لبنان لا تكون بالشعارات، بل بتكريس الدولة كمرجعية نهائية، وباحتضان وطني شامل يمنع تحويل أي اعتداء خارجي إلى انقسام داخلي، مشدّدًا على أنّ الوحدة الوطنية تبقى الضمانة الأساسية في مواجهة الأخطار المحدقة.