وتيرة متسارعة تتطور الأحداث في شرق البحر المتوسط منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حيث دخلت جزيرة قبرص إلى قلب المشهد الأمني بعد استهداف قاعدة عسكرية بريطانية فيها بطائرات مسيّرة، في تطور غير مسبوق منذ بدء المواجهة الإقليمية.
فقد تعرضت قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في جنوب قبرص، أمس الإثنين، لهجوم بطائرتين مسيّرتين، ما دفع السلطات القبرصية إلى رفع مستوى الاستنفار الأمني والعسكري، وسط مخاوف من تحول الجزيرة إلى نقطة ارتكاز رئيسية في الصراع المتصاعد في المنطقة.
وتكتسب قبرص أهمية استراتيجية في هذا السياق، نظراً لموقعها في شرق البحر المتوسط وقربها من السواحل السورية واللبنانية والإسرائيلية، إضافة إلى استضافتها قواعد عسكرية بريطانية رئيسية، أبرزها قاعدة أكروتيري التي تعد من أهم القواعد الجوية البريطانية خارج الأراضي البريطانية.
كما يمثل الهجوم على القاعدة أول استهداف يطال منشأة عسكرية داخل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، ما أثار قلقاً واسعاً في العواصم الأوروبية.
وأشارت تقديرات أولية لدى الحكومة القبرصية إلى أن الطائرات المسيّرة قد تكون أُطلقت من لبنان المجاور، مرجحة احتمال وقوف حزب الله خلف الهجوم، إلا أن وزارة الدفاع البريطانية لم تؤكد هذه الفرضية حتى الآن.
وعقب الهجوم، سعت نيقوسيا إلى النأي بنفسها عن الصراع، مؤكدة أنها طلبت من لندن ضمانات بأن يقتصر استخدام القواعد البريطانية الواقعة على أراضيها على المهام الإنسانية والإغاثية، وأن قبرص لا تنوي المشاركة في أي عمليات عسكرية ضد أي دولة.
وفي رد سريع على التطورات، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر اليوم الثلاثاء إرسال السفينة الحربية "دراجون" إلى المنطقة، وهي مدمرة دفاع جوي من طراز 45 مزودة بأنظمة متطورة لاعتراض التهديدات الجوية والطائرات المسيّرة.
وأوضح ستارمر في منشور على منصة "إكس" أن المملكة المتحدة "ملتزمة بشكل كامل بأمن قبرص وبسلامة العسكريين البريطانيين المنتشرين هناك"، مشيراً إلى أنه بحث هذه الإجراءات مع الرئيس القبرصي.
ووفق موقع البحرية الملكية البريطانية، فإن السفينة مزودة بنظام صواريخ "سي فايبر" ورادارات متقدمة قادرة على تتبع واعتراض الطائرات والصواريخ في المجال الجوي.
من جهتها، أعلنت فرنسا عن تحرك عسكري مماثل، حيث أكد الرئيس إيمانويل ماكرون أنه أمر حاملة الطائرات شارل ديغول بالإبحار نحو شرق المتوسط قبالة قبرص، ترافقها فرقاطات عسكرية مجهزة بأنظمة دفاعية متقدمة.
وأشار ماكرون في خطاب إلى أن باريس ستنشر أيضاً طائرات رافال وأنظمة دفاع جوي ورادارات في المنطقة خلال الساعات المقبلة، موضحاً أن فرنسا تعمل على بناء تحالف دولي لضمان أمن الملاحة في الخليج والبحر المتوسط في ظل التوتر المتصاعد.
وفي روما، أعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني استدعاء السفير الإيراني إلى مقر وزارة الخارجية، على خلفية الهجوم الذي استهدف القاعدة البريطانية في قبرص.
وقال تاياني إن إيطاليا أبلغت السفير الإيراني أن "أوروبا ليست طرفاً في الأزمة ولا ينبغي جرّها إلى الصراع".
كما أرسلت اليونان أربع مقاتلات من طراز F-16 إلى قبرص، إضافة إلى فرقاطتين حربيتين، إحداهما مزودة بنظام تشويش متطور مضاد للطائرات المسيّرة.
وأكد وزير الدفاع اليوناني نيكوس دندياس خلال زيارة إلى نيقوسيا أن بلاده "ستبقى مستعدة لتقديم أي دعم دفاعي ممكن لجمهورية قبرص".
وتأتي هذه التحركات في وقت تتحول فيه قبرص، التي عُرفت لعقود كوجهة سياحية هادئة وملاذ آمن في شرق المتوسط، إلى نقطة تمركز عسكري إقليمي مع تصاعد الحرب في المنطقة.
وتبقى القدرات الدفاعية للقوات القبرصية محدودة نسبياً، إذ تركز تقليدياً على حماية أراضي الجزيرة، لكنها بدأت خلال السنوات الأخيرة بتحديث منظومتها الدفاعية، حيث حصلت على نظام الدفاع الجوي "باراك MX" لتعزيز قدراتها في مواجهة التهديدات الجوية.
في ظل هذه التطورات، تبدو قبرص أمام مرحلة حساسة قد تجعلها خط تماس جديد في المواجهة الإقليمية المتصاعدة، وسط مخاوف أوروبية من اتساع نطاق الحرب في الشرق الأوسط ليشمل مناطق جديدة في البحر المتوسط.