تتواصل التطورات القضائية في ملف الشيخ خلدون عريمط، مع بروز معطيات جديدة أعادت طرح أسئلة أساسية حول مسار القضية والأسماء المرتبطة بها. وفي هذا السياق، برز اسم فهد عبدالله الركف، سعودي الجنسية بحسب ما يتم التعريف عنه، كشخصية يُرجّح ارتباطها بالهوية الحقيقية لمن عُرف في الملف باسم “أبو عمر”. ويأتي ذلك في وقت تتكاثر فيه التناقضات في الإفادات والروايات، ما يدفع التحقيقات نحو مسار أكثر تعقيداً بانتظار ما ستكشفه جلسات الاستجواب المقبلة.
وتتقاطع هذه المعطيات مع تطورات قضائية شهدها الملف في الساعات الأخيرة، بعدما كان من المفترض أن تُعقد جلسة استجواب أساسية كان يُعوَّل عليها لتوضيح عدد من النقاط العالقة في القضية.
لم تُعقد الجلسة التي كانت مقرّرة أمس الثلاثاء أمام قاضي التحقيق الأول في بيروت رولا عثمان في ملف الشيخ خلدون عريمط، وذلك بعد تعذّر حضور القاضية إلى مكتبها نتيجة الأوضاع الأمنية، ما أدى إلى تأجيل الجلسة التي كانت مخصصة لاستجواب رجل الأعمال أحمد حدارة. ويأتي هذا التأجيل في وقت يترقب فيه القضاء استكمال التحقيقات في قضية اتسعت تفاصيلها خلال الأسابيع الأخيرة، وبدأت تثير تساؤلات جدية حول دقة بعض الروايات التي جرى تداولها.
وكانت جلسة الأمس تُعد بالغة الأهمية، إذ وافق القضاء لفريق الدفاع عن الشيخ عريمط على طرح الأسئلة مباشرة على حدارة، علماً أنه سبق وتغيّب عن جلستين سابقتين. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، باعتبار أن حدارة هو الطرف الوحيد في الملف الذي يدّعي أن الشيخ عريمط حصل منه على مبلغ يصل إلى 400 ألف دولار، من دون أن يقدّم حتى الآن أي مستند أو دليل مادي يثبت هذا الادعاء أمام القضاء.
في المقابل، كان الشيخ خلدون عريمط واضحاً في إفاداته القضائية، إذ أكد أنه لم يتسلّم من حدارة سوى مبالغ محدودة لا تتجاوز 15 ألف دولار، موضحاً أن هذه الأموال خُصصت لأعمال خيرية مرتبطة بجمعية. ويُظهر الفارق الكبير بين الرقمين حجم التباين في الروايات المطروحة، خصوصاً أن الادعاء بمبلغ بهذا الحجم يفترض وجود تحويلات مالية أو وثائق أو أدلة ملموسة، وهو ما لم يظهر حتى الآن في مسار التحقيق.
كما يطرح تغيّب حدارة المتكرر عن جلسات التحقيق تساؤلات إضافية، إذ إن جلسات الاستماع تبقى المكان الطبيعي لتثبيت الادعاءات ومناقشتها أمام القضاء، ولا سيما عندما يتعلق الأمر باتهامات مالية بهذا الحجم.
وتشير معطيات الملف أيضاً إلى أن جميع الإفادات الرسمية التي أدلى بها سياسيون وردت أسماؤهم خلال التحقيقات نفت وجود أي علاقة مالية مع الشيخ عريمط، وهو ما ثبت في محاضر التحقيق، الأمر الذي يتناقض مع بعض الروايات التي حاولت الإيحاء بوجود شبكة علاقات مالية واسعة.
وفي تطور لافت، يستعد مصطفى الحسيان، وهو شاب من منطقة عكار جرى تقديمه على أنه الشخص المعروف باسم “أبو عمر”، للتقدّم بشكوى قضائية ضد أحمد حدارة بجرائم محاولة القتل والخطف، بعدما تعرّض، بحسب المعلومات، للضرب والخطف من قبل حدارة ومجموعة من الأشخاص. وتشير المعطيات إلى وجود تقرير طبي يثبت تعرض الحسيان للضرب وكسر في الفك، وذلك في التوقيت نفسه الذي جرى فيه تصوير الفيديو الذي ظهر فيه وهو يدلي باعترافات ويتهم الشيخ عريمط.
ويطرح هذا التطور علامات استفهام جدية حول الظروف التي سُجل فيها ذلك الفيديو، وما إذا كانت الإفادات التي وردت فيه قد أُدلي بها تحت ضغط أو إكراه، وهو ما قد يكون موضع تدقيق في مسار التحقيق القضائي.
ومع استمرار التحقيقات، تتكشف تفاصيل إضافية حول الشخصية التي عُرفت باسم “أبو عمر”، والتي يبدو أنها كانت حاضرة في الساحة اللبنانية قبل تعرّف الشيخ خلدون عريمط إليها. وتشير المعلومات إلى أن التعارف جرى بواسطة الشيخ خالد السبسبي، فيما تنقّل “أبو عمر” في تلك المرحلة بين عدد من الشخصيات السياسية والفكرية، من بينها الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة والمفكر رضوان السيد، قبل أن تتوسع دائرة معارفه لاحقاً.
وهنا يبرز سؤال أساسي حول دور الشيخ خالد السبسبي، خصوصاً أنه الشخص الذي عرّف عريمط على “أبو عمر”. وتفيد المعلومات بأن إفادات السبسبي أمام مديرية المخابرات حملت تناقضات واضحة، إذ إن إفادة أولى برأت الشيخ خلدون عريمط، فيما جاءت إفادة لاحقة مغايرة وجّهت فيها اتهامات إليه، ما يثير تساؤلات حول أسباب تبدّل الإفادات. كما يلفت الانتباه أن السبسبي لم يتم توقيفه وخرج عملياً من مسار القضية حتى الآن.
وفي سياق هذه التطورات، برز اسم فهد عبدالله الركف كأحد الأسماء التي يُرجّح أنها تقف خلف الهوية الحقيقية لشخصية “أبو عمر”، وليس مصطفى الحسيان الشاب العكاري الذي يعمل حداد سيارات. وتشير المعطيات إلى احتمال وجود شخصين استخدما الاسم نفسه، إذ إن الشخص الذي تمكن من خداع شخصيات سياسية يتمتع بدهاء واطلاع سياسيين، وهي مواصفات لا تنطبق على الحسيان الموقوف ولا تتلاءم مع خلفيته.

كما تظهر صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي علاقة صداقة تجمع الركف بالرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة، حيث يظهر في أحد المنشورات المتداولة وهو يصف السنيورة بـ”الأخ والصديق”، وقد أعاد الشيخ خالد السبسبي نشر هذا المنشور، فيما يعرض “ليبانون ديبايت” صورة له.

واللافت أنه عندما طلب فريق الدفاع عن الشيخ عريمط استدعاء الركف للاستماع إلى إفادته في القضية، جاء الجواب بأنه توفي منذ نحو شهر، وهو ما يضيف بدوره علامة استفهام جديدة في ملف تتكاثر فيه الروايات المتناقضة.
وأمام هذه المعطيات المتشابكة، تبدو القضية أبعد بكثير من الرواية المبسطة التي حاولت تحميل الشيخ خلدون عريمط المسؤولية. فبين ادعاءات مالية غير مثبتة، وتناقض في الإفادات، وأسئلة حول هوية “أبو عمر” الحقيقية، يبقى مسار التحقيق القضائي وحده الكفيل بكشف الوقائع الكاملة وتحديد المسؤوليات بعيداً من الاتهامات غير المدعومة بالأدلة.