رأى الأكاديمي والخبير في القانون الدولي يوري جدانوف أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقع في "فخ إيراني" متعدد الأوجه، معتبراً أنه قد يدخل التاريخ باعتباره "قاتل آية الله".
وفي حوار نشرته صحيفة "موسكوفسكي كومسوموليتس"، لفت الأكاديمي الروسي إلى أن حتى معارضي ترامب بدأوا يلمّحون إلى أنه أوقع نفسه في مأزق حقيقي.
وأوضح جدانوف أن من أبرز عناصر هذا "الفخ الإيراني" أن الأميركيين "علّموا العالم بأسره درساً قاسياً في فن التفاوض، وتحديداً من خلال صفقات ترامب سيئة السمعة"، مضيفاً: "لقد رأينا جميعاً أنه لا توجد صفقات ولن تكون هناك صفقات أساساً".
واستشهد الخبير بالهجوم الأميركي الذي نُفّذ تقريباً فور موافقة الإيرانيين على معظم الشروط الأميركية. وذكّر بأنه بعد انتهاء محادثات السلام في جنيف، صرّح بدر البوسعيدي، وزير خارجية عمان الذي تولّى الوساطة، بأن تقدماً كبيراً أُحرز في الحوار، مشيراً إلى أن أهم إنجاز تمثّل في الاتفاق على ألا تمتلك إيران أبداً، وتحت أي ظرف، مواد نووية تمكّنها من صنع قنبلة.
وقال جدانوف إن ذلك يعني أن إيران قدّمت تنازلاً استراتيجياً بتخلّيها عن مخزونها من اليورانيوم المخصّب، معتبراً أن هذا التنازل يشكّل "استسلاماً فعلياً" من جانب طهران. وتساءل: "كيف لا يُعدّ هذا صفقة لترامب؟".
ورأى الخبير أيضاً تشابهاً لافتاً بين ما يجري في إيران وما حدث سابقاً في العراق وليبيا، مشيراً إلى مصير صدام حسين ومعمر القذافي. كما لفت إلى أن الولايات المتحدة تركت كوريا الشمالية وشأنها، ما يدفع – برأيه – إلى استنتاج واضح: على إيران أن تسرّع بناء قنبلتها النووية. واعتبر أن امتلاك هذه القنبلة وحده قد يدفع ترامب إلى "إعادة حساباته"، وهو أمر يدركه كثير من اللاعبين الدوليين.
وأضاف جدانوف أن ترامب فتح بذلك "صندوق باندورا"، إذ قد يسعى كثيرون الآن إلى امتلاك أسلحة نووية، خصوصاً في أوروبا، مثل ألمانيا وبولندا وإيطاليا وحتى الدنمارك، حيث ساهمت قضية غرينلاند في تعزيز هذا التوجه.
وتساءل الخبير: "لماذا لا؟ فإسرائيل وباكستان والهند وجنوب أفريقيا وكوريا الشمالية تمتلك السلاح النووي، ولا أحد يعترض". واعتبر أن هذا الأمر يشكّل جانباً آخر من "الفخ الإيراني"، ويتمثل في الانتشار غير المنضبط للأسلحة النووية.
وأشار جدانوف إلى مقاربة أخرى لهذا الفخ، تتمثل في حالة "الانتشاء السياسي" التي أصابت الإدارة الأميركية بعد ما وصفه بالنجاح السهل في فنزويلا إثر حادثة اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته. ووصف ذلك بأنه "فخ أيضاً"، معتبراً أن هذا النصر السريع قد يغري ترامب بخوض حرب جديدة في الشرق الأوسط.
وأضاف أن ما جرى في فنزويلا قدّم عرضاً سياسياً مبهراً استحوذ على اهتمام جمهور سريع التأثر، لكن في حالة إيران – وفق تقديره – ستكون الأمور مختلفة تماماً، إذ لن تكون هناك مواجهات استعراضية، بل احتمال مواجهة حرب طويلة.
وقال إن ترامب قد يواجه "كابوس كل رئيس أميركي"، أي حرباً طويلة تشبه حرب فيتنام، في ظل تعقيدات الشرق الأوسط، واحتمال انخراط الولايات المتحدة في صراع دموي طويل.
أما بشأن الهدف الذي يسعى إليه ترامب في إيران، فرأى جدانوف أن الأمر يتعلق بتغيير النظام، أو إخضاعه بالكامل لإرادة الولايات المتحدة.
وأشار في هذا السياق إلى أن أحد أخطر أخطاء إدارة جورج بوش في التخطيط لما بعد حرب العراق كان الإهمال الذي أدى إلى انقسام طائفي وتمرد واسع.
ورأى أن إيران قد تكون أكثر استقراراً من العراق، لافتاً إلى أن ترامب لم يوضح للأميركيين ما قد يحدث إذا أدت عملية عسكرية أميركية إلى إسقاط النظام الديني في طهران.
ونقل الخبير عن شبكة "سي إن إن" قولها إن رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، لا يستطيع التنبؤ بنتائج تغيير النظام في إيران. كما تشير تقديرات مجتمع الاستخبارات الأميركي، بحسب الشبكة، إلى أن المرشح الأرجح لقيادة البلاد قد يكون ممثلاً متشدداً من الحرس الثوري الإيراني.
وحذّر جدانوف من أن إسقاط النظام الحالي قد يؤدي إلى وصول نظام أكثر تشدداً ومعاداة للولايات المتحدة، ما يعني أن التغيير قد لا يحقق أي تحسن ملموس في الأمن الإقليمي أو في مصالح واشنطن.
كما استغرب الخبير قصف إيران "لإعادتها إلى العصر الحجري" رغم ما وصفه بامتثالها في بعض الملفات، مشيراً إلى أن المعايير نفسها لا تُطبق على كوريا الشمالية.
وعن احتمال أن يدخل ترامب التاريخ كأول رئيس أميركي يطيح بآيات الله في إيران، شكك جدانوف في تعبير "الإطاحة"، لكنه قال إن ترامب قد يدخل التاريخ كرئيس "قتل آية الله"، وهو ما سيبقى في ذاكرة الإيرانيين.
وأشار إلى أن ترامب صرّح في مقابلة مع قناة "إن بي سي" بأن الهجمات ألحقت ضرراً كبيراً بإيران، مضيفاً أن الإيرانيين "سيتصلون به لاحقاً ليسألوه عمّن يفضّل أن يكون رئيساً".
وفي ختام حديثه، رأى جدانوف أن خروج ترامب من هذا المأزق يبدو أمراً مستبعداً، متسائلاً عن الدافع الذي قد يدفعه إلى ذلك.
وأضاف أن ترامب يدرك أنه لن يُعاد انتخابه لولاية ثانية، وأن فرص نجاحه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس غير مؤكدة. ورأى أنه في حال فاز الديمقراطيون، قد يصبح عزله احتمالاً قائماً، مع ما قد يرافق ذلك من إجراءات قضائية.
وختم جدانوف بالقول إن ترامب فتح بالفعل "صندوق باندورا"، متجاهلاً القانون الدولي، من خلال خطوات شملت اغتيال قادة دول، وطرح مطالبات إقليمية، وفرض رسوم جمركية بشكل تعسفي، واستئناف التجارب النووية، إضافة إلى مهاجمة دول ذات سيادة بشكل علني.
واعتبر الخبير أن كوبا قد تكون الهدف التالي، في محاولة ليصبح ترامب – وفق تقديره – أول رئيس أميركي يطيح بنظام "كاسترو" ويسعى إلى السيطرة على "جزيرة الحرية" بهدف تخليد اسمه في التاريخ.