إجراءات الجيش على مداخل الجنوب بين الشكل والفاعلية
ورأى بيرم أن الإجراءات التي ينفّذها الجيش اللبناني على مشارف الجنوب تبدو كأنها محاولة سريعة لإظهار الالتزام بتنفيذ القرارات المتخذة، إلا أنه اعتبر أن هذه الخطوات لا تتمتع بفاعلية حقيقية، واصفاً بعضها بأنه يحمل طابعاً “عدوانياً” أو استعراضياً أكثر منه إجراءً مؤثراً في مسار الأحداث.
وأشار إلى أن الدولة، بعدما وضعت نفسها تحت رقابة خارجية، بات مطلوباً منها تنفيذ ما التزمت به من قرارات من دون التفاف أو مراوغة، فلا يمكنها التراجع عنها. لكنه في المقابل تساءل عن جدوى هذه الإجراءات في لحظة حساسة، حيث يتم توقيف أشخاص متجهين جنوباً، سواء كانوا مقاتلين أم مدنيين، معتبراً أن الدولة تحاول “إدارة لعبة” في بعض المواقع.
وأضاف أن ثمة محاولة لتظهير مشهد إعلامي يوحي بأن الجيش يمارس نفوذاً واسعاً عبر الحواجز، وأنه أوقف عدداً من الأشخاص، إلا أن جزءاً من هذه الإجراءات، بحسب رأيه، يندرج في إطار العمل الأمني الروتيني، كالتدقيق في الهويات والأوراق الثبوتية أو ملاحقة مخالفات قانونية.
واعتبر أن هذه الخطوات قد تُرضي جهات خارجية متشددة، كما قد تُطمئن شريحة لبنانية تطالب بإظهار حضور الدولة، إلا أن ذلك لا يغيّر في جوهر الأزمة، خصوصاً أن الدولة، خلال 15 أو 16 شهراً من الحرب، لم تتمكن من تحقيق أي إنجاز نوعي، ولم تستطع وقف القتل أو الحد من الهجمات الإسرائيلية.
وتساءل: أين النتائج؟ هل تم تحرير أرض إضافية أو استعادة أسير أو فرض معادلة ردع واضحة؟ معتبراً أن استمرار القتل والتدمير، رغم كل الطروحات السياسية، أضعف موقع الدولة في أي نقاش حول السلاح أو الخيارات العسكرية.
تبدّل في المزاج داخل البيئة الحاضنة
ولفت بيرم إلى أنه لمس تبدّلاً في المزاج داخل البيئة المؤيدة لـ“حزب الله”، مشيراً إلى أن بعض من التقاهم في الأيام الأولى للحرب كانت لديهم مقاربة مختلفة، إلا أن استمرار الاستهداف من دون تحقيق إنجازات سياسية أو ميدانية للدولة دفعهم إلى إعادة النظر.
وبحسب قراءته، فإن منطق البعض يقوم على أن غياب أي نتيجة ملموسة خلال أشهر طويلة أعطى مبرراً إضافياً للحزب، إذ لو تحقق إنجاز ولو جزئي، لكان موقعه التفاوضي أضعف. أما في ظل استمرار الاستهداف، فيرى هؤلاء أن خيار المواجهة لم يعد أقل كلفة من “الموت البطيء”، في ظل عجز الدولة عن حمايتهم.
الاستحقاق الانتخابي بين الحرب والتسوية
وفي ما يتعلق بالانتخابات النيابية، أشار بيرم إلى أن احتمال تأجيلها أو التمديد للمجلس النيابي أصبح أكثر ترجيحاً في ظل الحرب. وقال إن النسبة التي كانت سابقاً متوازنة باتت تميل اليوم لمصلحة التأجيل، مع وجود مبررات أمنية وسياسية تُستخدم لتبرير ذلك.
ولفت إلى طرح اقتراحات قوانين للتمديد، معتبراً أن الأمر يدخل في إطار تسوية سياسية جديدة، وأن الحرب باتت حجة جاهزة يمكن الاستناد إليها لتأجيل الاستحقاق، في ظل غموض أمدها وتداعياتها.
أفق الحرب والرهان على إيران
أكد بيرم أن ما يجري في لبنان ليس معزولاً، بل هو امتداد مباشر للمواجهة مع إيران، معتبراً أن مسار الحرب مرتبط بقدرة طهران على الصمود.
واعتبر أن الحديث عن إسقاط النظام الإيراني ليس واقعياً في المرحلة الراهنة، وأن المواجهة ستفضي في نهاية المطاف إلى مفاوضات جديدة، لكن بشروط مختلفة تبعاً لنتائج الميدان.
وأشار إلى أن كل طرف سيحاول الذهاب إلى طاولة التفاوض بأوراق قوة إضافية، سواء إيران أو الولايات المتحدة، في ضوء ما تحقق على الأرض.
أما في ما يخصّ السيناريوهات القصوى، فاستبعد اللجوء إلى السلاح النووي، معتبراً أن هذا الاحتمال ضعيف جداً، رغم خطورة المشهد الإقليمي وتشعّبه.
وخلص إلى أن لبنان يقف عند مفترق بالغ الحساسية، حيث تتداخل الحسابات الداخلية بالرهانات الإقليمية، وتتقاطع خيارات الدولة مع حسابات القوى السياسية. وبين ضعف الإنجاز الرسمي، وتبدّل المزاج الشعبي، وإعادة رسم التوازنات داخل البيئة الواحدة، يبقى مستقبل الحرب والاستحقاقات الدستورية مرهوناً بمآلات المواجهة الأوسع في المنطقة، وبمدى قدرة الأطراف على إنتاج تسوية جديدة تفرض وقائع مختلفة.