في خضم تصاعد التوترات العسكرية وتزايد الضبابية حول مسار الحرب الجارية، تتكاثر القراءات السياسية التي تحاول استشراف مآلات الصراع، في وقت تتداخل فيه التصريحات السياسية مع الوقائع الميدانية المتغيرة.
وفي هذا السياق، يقدم الكاتب والباحث السياسي مات ماكلين قراءة تحليلية للمشهد الراهن، متوقفًا عند طبيعة الخطاب الصادر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومستعرضًا حالة عدم اليقين التي تحيط بتطورات الحرب، فضلًا عن الاحتمالات المتعددة التي قد تتجه إليها الأحداث في المنطقة.
ويرى ماكلين أن التصريحات التي صدرت عن الرئيس الأميركي تمثل ظاهرة لافتة في السياق السياسي الأميركي، إذ يؤكد أنه لا يتذكر في تاريخ الولايات المتحدة أن رئيسًا أميركيًا تحدث بمثل هذا الخطاب. وبحسب تقديره، فإن دلالات هذه التصريحات على المستوى العملي لا تزال غير واضحة تمامًا، ما يجعل من الصعب تحديد ما تعنيه على وجه الدقة في الواقع السياسي أو العسكري.
ويشير إلى أن الخطاب الذي يطرحه ترامب يتناول المسار الذي سلكته إيران خلال نحو 47 عامًا، لافتًا إلى أن الرئيس الأميركي يوجّه حديثه في هذا السياق إلى وسائل الإعلام الأميركية في محاولة لإيصال رسالة مفادها أن إيران تسعى إلى اتباع نهج جديد يمكن لمن حولها ملاحظته، وهو نهج يختلف عن المسار الذي سارت عليه طوال العقود الماضية.
وفي ما يتعلق بمسار الحرب، يؤكد ماكلين أن الوضع لا يزال يتسم بدرجة عالية من عدم الاستقرار والوضوح، خصوصًا مع اقتراب الصراع من يومه السابع. ويشدد على أن من الصعب، بل من غير الممكن، التنبؤ بدقة بما قد تحمله الأيام المقبلة من أحداث، سواء كانت متوقعة أم مفاجئة.
ويضيف أن طبيعة العمليات العسكرية الجارية تجعل من الصعب تحديد اتجاهات الضربات أو مواقع سقوط القذائف التي تنطلق من أطراف متعددة في الصراع، ما يجعل مسار الحرب مفتوحًا على احتمالات وسيناريوهات مختلفة.
ومن بين هذه السيناريوهات، يطرح ماكلين احتمال استمرار إيران في المسار الذي تسير فيه حاليًا، بحيث تتمكن الحكومة المقبلة من مواصلة إدارة شؤون البلاد وتوجيه السياسات العامة للشعب الإيراني على النهج ذاته الذي اتبعته الحكومات المتعاقبة منذ عقود.
كما يطرح احتمالًا آخر يتمثل في حدوث تطورات مشابهة لما شهدته دول أخرى خلال السنوات الماضية، مستحضرًا ما جرى في العراق على مدى العقدين الأخيرين، أو التحولات التي شهدتها أفغانستان، مشيرًا إلى أن تعدد السيناريوهات يجعل من الصعب تحديد النتيجة النهائية للأحداث قبل توقف العمليات العسكرية.
ويتوقف ماكلين كذلك عند التباين بين بعض التصريحات السياسية والوقائع الميدانية. فبينما يؤكد الرئيس الأميركي في وسائل الإعلام الأميركية أن الإيرانيين لم تعد لديهم القدرة على إطلاق الصواريخ، لا تزال الهجمات الصاروخية مستمرة وفق ما تظهره الوقائع، بما في ذلك إطلاق صواريخ باتجاه تل أبيب خلال الليل.
ويرى أن هذا التباين يفرض قدرًا إضافيًا من الحذر في قراءة المشهد، إذ قد تظهر في الميدان معطيات تتعارض مع بعض التصريحات السياسية، ما يجعل الحكم النهائي على مسار الصراع مرهونًا بما ستكشف عنه الأيام المقبلة.
كما يشير إلى اتساع دائرة الصراع مع انضمام عدد من الدول إلى الحرب، وهو ما يثير تساؤلات داخل الولايات المتحدة حول كيفية التعامل مع إيران، التي ارتبطت صورتها في الذهنية الأميركية بمزيج من الخوف والغضب.
ويضيف أن فكرة مهاجمة إيران طُرحت في الولايات المتحدة لدى بعض الأوساط بثقة بإمكانية هزيمة الحكومة الإيرانية، مع الاعتقاد بأن تحقيق ذلك قد لا يكون أمرًا صعبًا. غير أن هذا التصور كان يقابله تحذير من آخرين يرون أن إيران قد تختلف في طبيعة احتمالاتها عن التجارب التي شهدها العراق أو أفغانستان.
ويخلص ماكلين إلى أن الصراع لم يشهد حتى الآن أي مؤشرات على التراجع منذ اندلاعه، بل يبدو أن مساره يتجه نحو مزيد من التصعيد يومًا بعد يوم، لافتًا إلى أن دخول دول جديدة في الحرب قد يترك آثارًا تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتطال تداعياته العالم بأسره.
وبين خطاب سياسي مثير للجدل، ووقائع ميدانية متغيرة، وسيناريوهات متعددة مفتوحة على احتمالات مختلفة، يبقى المشهد – وفق قراءة ماكلين – محكومًا بدرجة عالية من عدم اليقين في انتظار ما ستكشف عنه تطورات الأيام المقبلة.