صحيح أنه المُبكر الحديث عن رقم رسمي لخسائر العدوان الإسرائيلي على لبنان بسبب إستمرار الإعتداءات، لكن الأدلة الميدانية تُظهر أن الخسائر كبيرة في البُنى التحتية، والخدمات والأنشطة الإقتصادية والمباني السكنية في المناطق التي تتعرض للقصف، فضلاً عن نزوح السكان وتأثير ذلك على الإنتاج والدخل. ما يمكن الجزم به أن مؤشرات الإقتصاد اللبناني تتجه نحو تدهور أعمق بنموٍ سلبي، وتتراجع فرص جذب الإستثمارات، وترتفع تكاليف إعادة الإعمار خلال السنوات المقبلة.
حتى الآن لا توجد أرقام رسمية نهائية، لكن يمكن رصد الخسائر من خلال إستهداف العدو الإسرائيلي للقطاعات الإقتصادية، أي قصف المصانع والمحال التجارية يعني خسائر فورية في الإنتاج والعوائد، وتعطّل النشاط الإقتصادي في المناطق المُستهدفة، وأضرار في الزراعة مع إستمرار القصف لأنه يمنع النشاط الزراعي في قرى الجنوب، ناهيك عن أن العدو الإسرائيلي سبق له أن رشّ مواد سامة على الأراضي الزراعية(قبل بدء العدوان العسكري) مما ألحق ضررا بمحاصيل المزارعين وبالأمن الغذائي المحلي.
من الجدير ذكره أن الخبراء يتوقعون عدم تطوّر الإقتصاد اللبناني في العام 2026، فمع بدء العدوان العسكري في آذار الحالي من المُرجّح أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بما إذا لم يحدث عدوان. أما الترجمة العملية لهذا الإنكماش فهي تقلّص الإنفاق الحكومي على الخدمات بسبب أولويات الحرب ومعالجة الأزمات، تراجع فرص العمل وإرتفاع في البطالة بسبب تعطّل الشركات، وقطع النشاط الإقتصادي في الجنوب والمناطق التي تتعرض للعدوان. فضلا عن خسائر غير مباشرة على المدى المتوسط والبعيد، وهذه الخسائر لا تُقاس بمئات ملايين فحسب، بل لها تأثيرات طويلة تمتد سنوات، فنزوح السكان والنازحين داخلياً يُقلّل الطلب المحلي ويُضعف القوة الشرائية، بالإضافة إلى إنخفاض فرص جذب الإستثمار الأجنبي والمحلي بسبب عدم الإستقرار الأمني، وزيادة أعباء إعادة الإعمار في المستقبل، وإرتفاع مُعدلات الفقر وتراجع مستوى الخدمات العامة كالصحّة والتعليم والنقل.
بالإضافة إلى الخسائر الكلية على هيكل الدولة اللبنانية، نتائج الحرب ستُترجم مباشرة في جيوب اللبنانيين عبر موجة غلاء جديدة. فإرتفاع أسعار النفط العالمي وكلفة التأمين والشحن إلى شرق المتوسط، إضافة إلى زيادة المخاطر على طرق البحر والبر والجو، يعني عملياً إرتفاع أسعار المحروقات، كلفة النقل البري والبحري، وتعرفة المولدات، وهذا ينعكس تلقائياً على كلفة كل السلع المستوردة تقريباً، من القمح والخبز والمواد الغذائية الأساسية، إلى الأدوية والمستلزمات الطبية، مروراً بالمنتجات الصناعية والسلع الاستهلاكية اليومية.
كل ما يعتمد على الطاقة المُستوردة أو على مواد أولية مُستوردة أو على خطوط شحن تمر في مناطق النزاع مُهدّد بموجة إرتفاع إضافية في الأسعار فوق التضخم القائم أصلاً، فيما يبقى دخل اللبناني شبه ثابت. وما ربحه لبنان في إرتفاع قيمة مخزون الذهب سيخسره كله تقريبا، بسبب الخسائر الإضافية في العمران والبُنى التحتية وإرتفاع كلفة الاستيراد (طاقة + شحن + تأمين) وتراجع حركة السفر/السياحة. ويتحول الأثر سريعًا إلى ركود وإنكماش لا مجرد إرتفاع أسعار فقط، وإستنزاف لمخزون الدولارات، وفقر وهجرة إضافية، مع التذكير بأن كلفة عدوان 2024 كانت نحو 14 مليار دولار (بحسب أرقام البنك الدولي) و كلفة الإعمار 11 مليار دولار.
ويشرح الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان ل"ليبانون ديبايت" أنه "مع تطور الحرب ومع التوقعات الواضحة بارتفاع أسعار النفط عالميًا إلى نحو 100 دولار للبرميل إذا طال أمد الاضطراب، ترتكب الحكومة اللبنانية خطأ إقتصاديا ومعيشيا بحق اللبنانيين، إذا لم تتراجع عن فرض زيادة تقارب 25 بالمئة على تعرفة البنزين، فهذا القرار ليس مجرد إجراء مالي، لأن أي إرتفاع عالمي في النفط سيترجم فورًا مزيدًا من الغلاء في النقل والسلع والإنتاج، فكيف إذا أضيفت إليه زيادة محلية بهذا الحجم؟".
ويختم:"الإبقاء على هذا القرار في هذا التوقيت هو تحميل الناس ثمن حرب وأزمة لا يد لهم فيها، ولذلك المطلوب ليس المراجعة ولا التخفيف، بل التراجع الفوري اليوم قبل الغد عن هذه الزيادة ، حمايةً للبنانيين ومنعًا لإنفجار إجتماعي وإقتصادي جديد".