يرى الكاتب الإسرائيلي نيتسان سادان أن الحسم العسكري من الجو من دون اجتياح بري ليس فكرة مستحيلة كما يُشاع، مشيراً إلى أن التاريخ قدّم نماذج عدة أثبتت أن إسقاط أنظمة أو فرض هزيمة على خصوم يمكن أن يتحقق عبر القوة الجوية، وإن كان ذلك غالباً بكلفة مرتفعة وبظروف معقدة.
وفي مقال نشره موقع "كالكاليست"، قال سادان إن المقولة الشائعة التي تعتبر أن "الأحذية على الأرض" شرط حتمي للانتصار في الحروب أو لإسقاط أنظمة معادية ليست دقيقة دائماً، موضحاً أن تجارب أفغانستان وليبيا ويوغوسلافيا تُظهر أن التفوق الجوي قد يحقق نتائج سياسية وعسكرية كبيرة.
ويشير الكاتب إلى أن الفكرة تبدو منطقية نظرياً: فإذا تمكنت دولة من مهاجمة خصمها بعدد كبير من الطائرات المقاتلة وصواريخ الكروز والطائرات المسيّرة، مع دعم استخباري دقيق، يمكنها تدمير منظومات الدفاع الجوي والقدرات العسكرية والبنية التحتية تدريجياً. ومع انهيار الاقتصاد وتزايد الضغط الداخلي، قد تجد النخب الحاكمة نفسها أمام خيارين: الاستسلام أو مواجهة السقوط.
ويستعرض سادان تجربة أفغانستان عام 2001 بعد هجمات 11 أيلول، حين شنّت الولايات المتحدة عملية "الحرية الدائمة". فقد انهار حكم طالبان سريعاً تحت وطأة الضربات الجوية الأميركية التي دمّرت مراكز السلطة والمنشآت العسكرية، فيما فرّ قادة الحركة إلى الجبال وانتقلت السيطرة على مناطق عدة إلى قوى محلية. غير أن الكاتب يلفت إلى أن إسقاط الحكم لم يكن كافياً، إذ احتاجت الولايات المتحدة إلى وجود بري طويل لاستهداف الشبكات الإرهابية، وهو ما أدى إلى حرب استمرت نحو 19 عاماً وخسرت خلالها القوات الأميركية وحلفاؤها آلاف الجنود، قبل أن تعود طالبان إلى الحكم مجدداً. ويخلص إلى أن القصف قد يسقط نظاماً، لكنه لا يقتلع جذور الصراع.
أما المثال الثاني فهو ليبيا عام 2011، حين تدخل حلف شمال الأطلسي دعماً لقوى محلية معارضة ضد نظام معمر القذافي. فقد شنّ "الناتو" عملية "الحامي الموحّد" التي استهدفت الدفاعات الجوية ومراكز السلطة والبنية العسكرية للنظام، ما أدى إلى إضعافه تدريجياً. ويشير الكاتب إلى أن الغرب رأى في تلك اللحظة فرصة لإسقاط القذافي واستبداله بحكم أكثر ملاءمة، خصوصاً مع وجود قوى محلية تقاتله على الأرض. ومع أن العملية انتهت بسقوط النظام بعد سبعة أشهر، إلا أنها لم تكن حرباً جوية خالصة، إذ لعبت القوات المحلية دوراً أساسياً في الحسم على الأرض.
ويعتبر سادان أن المثال الأقرب إلى الحسم الجوي شبه الكامل كان في يوغوسلافيا عام 1999 خلال حرب كوسوفو، حين شنّ "الناتو" حملة جوية ضخمة شاركت فيها نحو ألف طائرة حربية إضافة إلى سفن وغواصات مزودة بصواريخ كروز. ورغم إسقاط بعض الطائرات الأميركية، بينها طائرة الشبح F-117، واستمرار الدفاعات الجوية الصربية بالمقاومة، فإن القصف المكثف استنزف الاقتصاد والبنية العسكرية ليوغوسلافيا، ما أدى في النهاية إلى قبول التسوية بعد نحو 70 يوماً من الضربات الجوية.
بعد ذلك ينتقل الكاتب إلى الحالة الإيرانية، معتبراً أنها أكثر تعقيداً من هذه النماذج لعدة أسباب. أولها المساحة الشاسعة لإيران وانتشار بنيتها العسكرية بين المدن والمناطق النائية، ما يجعل استهدافها عملية واسعة ومعقدة. وثانيها حجم القوات الإيرانية، إذ يقدّر عدد المقاتلين بنحو 650 ألف عنصر، بينهم نحو 250 ألفاً من الحرس الثوري، إضافة إلى مئات الدبابات وآلاف المدرعات، ما يعني أن تدمير هذه القوة من الجو يتطلب جهداً هائلاً وغير مسبوق.
أما السبب الثالث فيتعلق بغياب قوة محلية منظمة يمكن أن تلعب دوراً حاسماً على الأرض كما حدث في ليبيا، إذ إن أي حركات معارضة داخل إيران تفتقر إلى بنية لوجستية قادرة على مواجهة منظومة عسكرية بُنيت طوال عقود أساساً لقمع التمردات.
كما يحذر الكاتب من أن تمركز قوات إيرانية قرب المدن سيجعل المدنيين دروعاً بشرية، ما يضع المهاجمين أمام معضلة أخلاقية وعسكرية صعبة، لأن تدمير القوات قد يعني عملياً تدمير المدن أيضاً.
وفي ختام مقاله في "كالكاليست"، يخلص سادان إلى أن التاريخ يثبت أن الحسم من الجو ممكن إذا توفرت الإرادة والموارد الكافية، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن إسقاط النظام الإيراني من دون تدخل بري واسع يبقى احتمالاً محدوداً، وأن أقصى ما قد تحققه الحرب الجوية هو فرض هزيمة مؤقتة أو تأجيل مواجهة أكبر في المستقبل.