نشر موقع "فورين أفيرز" مقالاً تحليلياً للكاتب دانيال بايمان، أستاذ العلاقات الدولية في كلية الخدمة الخارجية في جامعة جورجتاون ومدير برنامج الحروب والتهديدات غير النظامية والإرهاب في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تناول فيه مستقبل حزب الله في ظل الحرب الدائرة وتراجع قدراته خلال السنوات الأخيرة.
ويشير بايمان إلى أن حزب الله، حليف إيران في لبنان، دخل المواجهة الجارية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه مواقع عسكرية إسرائيلية، رداً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني وعدد من كبار المسؤولين الإيرانيين. وردّت إسرائيل سريعاً باغتيال رئيس استخبارات الحزب وقصف مواقع له داخل لبنان، قبل أن تدفع بمزيد من القوات البرية إلى جنوب لبنان وتوجّه إنذارات بإخلاء نحو 80 قرية.
ويرى الكاتب أن مواجهة إسرائيل مع حزب الله لن تكون سهلة، إذ لا يزال الحزب متجذراً في المجتمع اللبناني، فيما يشكّل ضعف الجيش اللبناني وتعقيدات النظام السياسي عائقاً أمام القضاء عليه. كما أن الحزب يحاول التكيّف مع الحرب من خلال ترقية قادة جدد بدلاً من الذين سقطوا واعتماد أسلوب لامركزي في إدارة عملياته العسكرية، ولا يزال يمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة وقدرة على تنفيذ عمليات خارجية كما فعل سابقاً. فإسرائيل خاضت مواجهات مع الحزب لأكثر من 40 عاماً، بين ضربات محدودة وحملات قصف واسعة وعمليات توغل داخل لبنان، ومع ذلك بقي الحزب قائماً رغم الضربات.
لكن بايمان يؤكد أن الحزب لم يعد بالقوة التي كان عليها سابقاً. فالتنظيم الذي وصفه مسؤول أميركي سابق بأنه "فريق النخبة بين التنظيمات الإرهابية" تعرّض منذ عام 2023 لضربات قاسية من إسرائيل، كما خسر حليفه السوري بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، فيما تضرر راعيه الأساسي إيران نتيجة الضربات الأميركية والإسرائيلية والاضطرابات الداخلية. وفي الداخل اللبناني بدأ خصوم الحزب، الذين كانوا يخشون شعبيته واستعداده لاستخدام العنف، يرفعون صوتهم أكثر. ويرى الكاتب أن حزب الله قد يكون اليوم أضعف سياسياً مما كان عليه منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي.
ويشير المقال إلى أن بداية التراجع تعود إلى 8 تشرين الأول 2023، بعد يوم من هجوم حركة حماس على إسرائيل. وبعد أشهر من تبادل الضربات المحدودة، شنّت إسرائيل في أيلول 2024 هجوماً واسعاً، تمكّنت خلاله من قتل أو إصابة أكثر من 1000 عنصر من الحزب عبر تفجير أجهزة اتصال مفخخة، ثم استهدفت مواقعه العسكرية واغتالت عدداً من قادته، بينهم الأمين العام حسن نصر الله، قبل أن تتوغل في جنوب لبنان. وفي تشرين الثاني 2024 وافق الحزب على وقف إطلاق النار وسحب قواته من جنوب نهر الليطاني ليحل الجيش اللبناني مكانه هناك.
وبحسب ما أعلنه الأمين العام للحزب نعيم قاسم، خسر الحزب نحو 18000 عنصر بين قتيل وجريح، بينهم 5000 قتيل، فيما قالت إسرائيل إنها دمّرت نحو 80 بالمئة من ترسانته الصاروخية. ويرى بايمان أن خسائر الحزب لم تكن عسكرية فقط، بل طالت أيضاً القيادة والهيبة، إذ يعتبر كثيرون أن قاسم أقل تأثيراً وكاريزما من نصر الله، فيما نقل المقال عن الباحثة حنين غدار قولها إن الحزب تحوّل "من جيش إلى ميليشيا". ومع ذلك ما زال يمتلك نحو 25000 صاروخ وقذيفة وما بين 40000 و50000 مقاتل وعناصر احتياط.
ويضيف المقال أن الحزب واجه أيضاً ضغوطاً مالية متزايدة بعد قصف إسرائيل مؤسسات مالية مرتبطة به وفرض الحكومة اللبنانية قيوداً على بعض شبكاته المالية تحت ضغط أميركي، في وقت ارتفعت فيه نفقاته نتيجة الحاجة إلى تجنيد مقاتلين جدد وتأمين السلاح ورعاية عائلات القتلى، ما دفعه إلى تقليص بعض المدفوعات لمقاتليه.
كما تفاقمت أزماته مع تراجع الدعم الخارجي، خصوصاً بعد سقوط نظام الأسد الذي كان ممراً رئيسياً للسلاح والدعم، وتشديد السلطات السورية الجديدة الرقابة على الحدود. كذلك فقد الحزب إحدى شبكات التهريب المهمة بعد إطاحة الولايات المتحدة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. أما إيران، التي كانت تقدم للحزب نحو 700 مليون دولار سنوياً، فتواجه أزمة اقتصادية حادة بعد الضربات العسكرية والعقوبات، مع تراجع القدرة الشرائية للإيرانيين بأكثر من 90 بالمئة خلال السنوات الأخيرة، ما قد يحد من قدرتها على تمويل حلفائها.
ويرى الكاتب أن الحزب يعاني أيضاً من أزمة أمنية داخلية بعدما أثبتت العمليات الإسرائيلية اختراقها العميق له عبر سلسلة اغتيالات وتفجيرات أجهزة اتصال، ما يجبره على محاولة كشف الجواسيس وإعادة تأمين منظومة اتصالاته في ظروف حرب معقدة.
وفي الداخل اللبناني، بدأت قوى سياسية ومؤسسات رسمية تتحدى الحزب أكثر من السابق. فقد انتشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان لنزع سلاحه هناك، كما بات يسيطر على مطار بيروت الذي استخدمه الحزب سابقاً لإدخال السلاح. وفي خطوة غير مسبوقة، أعلن رئيس الجمهورية جوزيف عون أن لبنان "لا خيار أمامه" سوى التفاوض مع إسرائيل حول الحدود أو حتى اتفاق أوسع.
ورغم هذه الضغوط، يعتقد الكاتب أن أكبر نقاط قوة حزب الله تكمن في ضعف خصومه داخل لبنان. فالجيش اللبناني لا يرغب وربما لا يستطيع مواجهته عسكرياً في كل أنحاء البلاد، كما أن القوى السياسية المعارضة له منقسمة. كذلك لا يزال الحزب يحتفظ بدعم داخل الطائفة الشيعية التي تشكّل نحو 40 بالمئة من السكان، إذ لا يرى كثيرون بديلاً سياسياً واضحاً عنه رغم الانتقادات المتزايدة.
ويخلص بايمان إلى أن الحزب سيقاوم أي محاولة لنزع سلاحه بالكامل، لأن السلاح جزء أساسي من هويته. ومع ذلك، يرى أن تقليص نفوذه ممكن عبر دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وعلى رأسها الجيش، ومساعدة الدولة على قيادة عملية إعادة إعمار البلاد بدلاً من الحزب. ويقدّر البنك الدولي أن لبنان يحتاج إلى نحو 11 مليار دولار لإعادة الإعمار وفق تقييم عام 2025. ويؤكد الكاتب أن تعزيز دور الدولة والضغط على إيران قد يحدان تدريجياً من نفوذ الحزب ويضعفان قدرته على الاستمرار بالقوة نفسها في المستقبل.