"ليبانون ديبايت"
مع تصاعد الغارات الإسرائيلية والعمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية خلال الأيام الأخيرة، تتزايد التساؤلات حول طبيعة ما يجري: هل هو تصعيد عسكري عشوائي أم جزء من خطة أوسع ضمن الصراع الإقليمي الدائر؟
في هذا السياق، يؤكد العميد المتقاعد بهاء حلال في حديث إلى "ليبانون ديبايت" أن ما يحدث في لبنان لا يمكن اعتباره مجرد عمليات عسكرية متفرقة، بل هو جزء من سياق استراتيجي أوسع يرتبط بالصراع الإقليمي بين إسرائيل ومحور إيران، ويهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض اللبنانية.
تصعيد متواصل منذ أشهر
يشير حلال إلى أن العنف العسكري داخل لبنان تصاعد بشكل ملحوظ خلال الأسبوع الماضي، خصوصًا مع تكثيف الغارات الإسرائيلية على مناطق الجنوب والبقاع. لكنه يلفت إلى أن هذا التصعيد ليس وليد اللحظة، إذ إن الحرب عمليًا لم تتوقف منذ تاريخ 27 تشرين الثاني 2024، رغم فترات الهدوء النسبي التي شهدتها الجبهة.
ويضيف أن العمليات العسكرية الأخيرة التي نفذتها إسرائيل في الجنوب اللبناني، بالتوازي مع القصف في منطقة البقاع، تعكس مرحلة جديدة من التصعيد الميداني، حيث باتت الضربات أكثر اتساعًا من حيث الجغرافيا والأهداف.
إنزال النبي شيت محطة مفصلية
ويعتبر حلال أن عملية الإنزال التي نفذتها قوة إسرائيلية خاصة في بلدة النبي شيت في البقاع شكّلت محطة أساسية في هذا التصعيد، إذ أراد العدو من خلالها التأكيد أن التصعيد بلغ ذروته.
فبحسب المعلومات، حاولت قوة إسرائيلية تنفيذ عملية إنزال في المنطقة، ويبدو أن هدفها كان البحث عن معلومات أو بقايا تتعلق بالطيار الإسرائيلي المفقود رون آراد، الذي فقد أثره في لبنان منذ عام 1986. لكن العملية انكشفت بسرعة، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات بين القوة الخاصة ومقاتلين محليين، إضافة إلى جهات أخرى في المنطقة.
ويؤكد حلال أن إسرائيل لجأت خلال العملية إلى استخدام قوة نارية كبيرة، حيث شنّ الطيران الإسرائيلي عشرات الغارات الجوية على منطقة النبي شيت وأريافها.
ويقدّر أن عدد الغارات التي نُفذت في تلك العملية بلغ نحو أربعين غارة، في حين نفذت الطائرات الحربية عشرات الطلعات الجوية فوق المنطقة، ما أدى إلى دمار واسع في البلدة والقرى المحيطة بها.
ويرى أن هذا النوع من العمليات، الذي يجمع بين إنزال قوات خاصة وتغطية جوية كثيفة واشتباك مع المقاتلين، لا يمكن اعتباره حادثًا منفصلًا، بل يندرج ضمن تكتيك عسكري متكامل تستخدمه إسرائيل في إطار حملة أوسع.
توسع العمليات العسكرية
وبحسب حلال، فإن عملية النبي شيت ترافقت مع تصعيد عسكري واسع شمل مناطق أخرى من لبنان.
فالغارات الإسرائيلية لم تقتصر على البقاع، بل طالت أيضًا العديد من البلدات في الجنوب اللبناني. كما نفّذ العدو ضربات في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، ووصل التصعيد إلى منطقة الروشة في بيروت، حيث استهدفت غارة شقة في أحد الفنادق.
ويضيف أن طبيعة الضربة تشير إلى أنها كانت عملية اغتيال محددة الهدف، ضمن سلسلة عمليات تستهدف شخصيات أو جهات تعتبرها إسرائيل جزءًا من محور المواجهة معها.
ضحايا مدنيون واستهداف أحياء سكنية
ويلفت حلال إلى أن الضربات الجوية الإسرائيلية طالت في كثير من الأحيان مباني سكنية ومناطق مأهولة، ما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا المدنيين.
ويؤكد أن هذا الواقع خلق حالة من التوتر الشديد في مختلف المناطق اللبنانية التي تعرضت للقصف.
كما ترافقت العمليات العسكرية مع إصدار الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء وتحذيرات للسكان في عدد من مناطق الجنوب، إضافة إلى تحذيرات مشابهة في ضواحي بيروت.
ويرى حلال أن هذه التحذيرات والغارات أدت إلى موجة نزوح داخلي واسعة، خصوصًا من القرى الجنوبية التي تعرضت للقصف المكثف.
كما شهدت بعض مناطق الضاحية الجنوبية لبيروت حركة نزوح مشابهة نتيجة المخاوف من توسع نطاق الاستهدافات الإسرائيلية.
ويشدد حلال على أن هذا التصعيد ليس عشوائيًا، بل يندرج ضمن عمليات عسكرية منظمة تسعى إسرائيل من خلالها إلى استهداف مواقع وتجمعات محددة، من أجل خلق واقع جديد على الأرض اللبنانية.
لبنان ضمن صراع إقليمي أوسع
ويؤكد حلال أن ما يجري في لبنان لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأوسع.
فالصراع الدائر لا يقتصر على المواجهة بين إسرائيل ولبنان، بل يرتبط بشكل مباشر بالمعركة الإقليمية والحرب على إيران.
ويشير إلى أن الضربات تصاعدت بعد سلسلة من الأحداث الإقليمية، منها استهداف إيران وأهداف مرتبطة بها في المنطقة، إضافة إلى الأعمال العدائية المتبادلة.
وقد دفع ذلك حزب الله إلى الدخول طرفًا في المواجهة عبر إطلاق الصواريخ والردود النارية، وهو ما اعتبرته إسرائيل ذريعة لتوسيع الحرب التي لم تتوقف فعليًا منذ وقف إطلاق النار قبل نحو خمسة عشر شهرًا، في 27 تشرين الثاني 2024.
مشروع المنطقة العازلة
ويكشف حلال أن أحد الأهداف الاستراتيجية التي تسعى إليها إسرائيل يتمثل في إنشاء منطقة عازلة على حدودها الشمالية.
ويقول إن التصور الإسرائيلي يتجاوز مجرد شريط أمني محدود داخل جنوب لبنان، إذ يتحدث عن منطقة عازلة تمتد من بلدة الناقورة في أقصى الجنوب اللبناني وصولًا إلى السويداء داخل الأراضي السورية.
وبحسب حلال، فإن التصعيد في لبنان هو جزء من مسرح أوسع للصراع الإقليمي، وليس حدثًا معزولًا.
وهذا ما يدفعه إلى التساؤل عمّا إذا كان ما يجري مجرد فوضى ضبابية أم أن هناك خطة معدّة مسبقًا، ليؤكد أنه لا يرى في المشهد فوضى عشوائية.
ويربط حلال بين التطورات المتعددة، من العمليات التكتيكية والضربات الجوية المكثفة، إلى ردود المقاومة والاشتباكات مع القوات الإسرائيلية التي تحاول التوغل في الجنوب، إضافة إلى التوترات في الإقليم من العراق إلى إيران، ما يجعل لبنان جزءًا من حلبة صراع إقليمي أوسع.
ويرى أن الأحداث تشير إلى وجود تسلسل وتخطيط لدى مختلف الأطراف.
فإسرائيل، بحسب رأيه، تستخدم مجموعة من التكتيكات، تشمل الضربات الجوية والعمليات العسكرية والتحذيرات والإخلاءات، إضافة إلى الضغط النفسي ومحاولة تأليب البيئة الداخلية اللبنانية على بعضها.
ويهدف ذلك، وفق حلال، إلى دفع المواطنين نحو بيئات مختلفة ومحاولة خلق فتنة بين اللبنانيين، بما يضع الحكومة اللبنانية في موقع العاجز وغير القادر على اتخاذ خطوات فعالة.
تباين سياسي داخلي
في المقابل، يشير حلال إلى أن المقاومة والقوى المتحالفة معها تعتمد الردود الصاروخية والقدرات الدفاعية في مواجهة الهجمات الإسرائيلية.
إلا أن الوضع في لبنان يتأثر أيضًا بالتباين في المواقف السياسية بين القوى اللبنانية، ما يؤدي إلى مزيج من القرار السياسي المتذبذب والتوتر العسكري المتصاعد.
جزء من معركة إقليمية
ويخلص حلال إلى أن ما يحصل في لبنان هو جزء من صراع إقليمي أوسع، يحاول كل طرف فيه تدوير المعركة لصالحه.
فالتصعيد العسكري، سواء عبر عمليات الإنزال أو الغارات الجوية أو عمليات الاغتيال أو القصف أو الإخلاءات، يندرج ضمن هذا السياق الإقليمي المرتبط بالصراع بين إسرائيل ومحور إيران، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الساحة اللبنانية.
مشهد مفتوح على احتمالات متعددة
ويرى حلال أن التصعيد الإسرائيلي أعطى المقاومة حقها الطبيعي في الرد، ما يجعل المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة.
ويؤكد أنه لا يمكن القول إن الأمور ستنتهي قريبًا، لكنها في الوقت نفسه ليست بلا معنى أو بلا خطة، بل تندرج ضمن سياق واضح من الصراع الإقليمي.
ويشير في ختام حديثه إلى أن بعض الاتصالات الدبلوماسية قد تشهد حراكًا ابتداءً من يوم الاثنين، إلا أن فرص نجاحها تبقى مرتبطة بمدى التعنت الإسرائيلي والأميركي والإصرار على شروط قاسية تجاه الوضع اللبناني.
كما يلفت إلى أن الانقسام العمودي داخل لبنان لا يبشّر بإمكانية قيام موقف وطني موحد في مواجهة ما وصفه بالعدوان الإسرائيلي الذي يحاول، بحسب تعبيره، "نهش جسد لبنان".