في خضم التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط، يجد الأكراد أنفسهم مرة أخرى أمام اختبار سياسي معقد يتجاوز حدود الجغرافيا التي يعيشون فيها. فمع اتساع المواجهة مع إيران، حاولت بعض الأطراف الدولية إعادة إحياء فكرة استخدام التشكيلات الكردية المسلحة كأداة ضغط في الصراع الدائر. غير أن ردود الفعل الصادرة عن عدد من القوى الكردية أظهرت قدرًا ملحوظًا من الحذر والوعي السياسي، حيث رفضت هذه التشكيلات الانجرار إلى حرب لا تخدم مصالحها ولا ترتبط بقضيتها الوطنية.
فخلال الأيام الأخيرة الماضية، تداولت أوساط سياسية وإعلامية تقارير عن اتصالات وضغوط غير مباشرة لدفع بعض القوى الكردية نحو الانخراط في المواجهة مع إيران. غير أن الموقف الذي برز من العديد من القيادات الكردية اتسم بالوضوح؛ إذ فضلت هذه القيادات الابتعاد عن هذا المسار، مدركة أن الانخراط في صراع إقليمي واسع لن يجلب للأكراد مكاسب سياسية حقيقية، بل قد يحول مناطقهم إلى ساحة جديدة لحروب الآخرين.
نفت حكومة إقليم كردستان عبر بيان للمتحدث باسمها بيشوا هوراماني، صحة التقارير التي تحدثت عن قيامها بتسليح قوى كردية تمهيداً لإرسالها إلى داخل إيران، مؤكدة أن ما يتم تداوله بشأن وجود دور للإقليم في تسليح الأحزاب الكردية المعارضة وإرسالها إلى الأراضي الإيرانية "عارٍ عن الصحة تماماً"، وهو بيان أتى بعد سلسلة من التصريحات التي تؤكد الحياد في هذا الملف.
ويبدو أن هذا الموقف يعكس قراءة عميقة لتجارب سابقة في تاريخ المنطقة، حين وجدت قوى محلية نفسها منخرطة في صراعات دولية بناء على وعود سياسية لم تتحقق لاحقًا. ولذلك فإن رفض الانجرار إلى هذه الحرب يمكن اعتباره موقفًا مسؤولًا يعكس إدراكًا متزايدًا لدى القيادات الكردية بأن الاستقرار وحماية المجتمعات المحلية يجب أن يكونا أولوية على أي حسابات خارجية.
حيث يرى الباحث في شؤون الاجتماع السياسي الدكتور أحمد خوشناو أن "نأي الكرد في العراق بأنفسهم عن الحرب الدائرة في المنطقة، هو ليس تخلياً عن المسؤولية القومية، ولكنه يصب في مصلحة عامة لإقليم كردستان العراق".
ويوضح خوشناو ، أن "الكرد جربوا الولايات المتحدة الأمريكية في مرات عديدة، ولكن في كل مرة تستخدمهم كأداة، ومن ثم تتخلى عنهم، وهذا الامر حصل في سوريا، بعد قتال الكرد مع واشنطن في الحرب على داعش، ولكن بعد نهاية الحرب تخلت أميركا عنهم".
وينوه إلى أن "الوضع الداخلي لإقليم كردستان لا يسمح له بدعم الكرد في إيران، كونها دولة جارة، وتتمتع معها بعلاقات إستراتيجية، وامتداد اقتصادي، والخوف أن لا تحقق الولايات المتحدة الانتصار، وتغيير النظام، وبعد ذلك سيكون الإقليم معرضاً لزلزال عنيف، قد يؤدي إلى انهيار تجربته بالكامل".
ويذهب الباحث الاجتماعي، إلى أن "الأحزاب الكردية الإيرانية لا تحظى بالتأييد الشعبي داخل المجتمعات الكردية، كونها لا تمتلك قضية، وهناك اعتقاد داخل المجتمع الكردي الإيراني بأن النظام الإسلامي الحالي، أفضل للكرد في إيران، من نظام فارسي قومي متعصب".
ويتفق مع الباحث السياسي العديد من المراقبين والمحللين السياسيين الذين أشاروا إلى ان المواجهة الدائرة في المنطقة لا تتعلق بالقضية الكردية ولا ترتبط بمطالب الأكراد السياسية، بل هي جزء من صراع أوسع بين قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تعزيز نفوذها وإعادة رسم توازنات القوة. ومن هذا المنطلق، فإن مشاركة الأكراد في هذه الحرب لن تغير من موقع قضيتهم، بل قد تعرّض مناطقهم لمزيد من التوترات الأمنية والسياسية.
وفي خضم هذا الجدل، جاء تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ليضيف بعدًا جديدًا للنقاش، إذ أعلن علنًا أن الولايات المتحدة لا تنوي إشراك القوات الكردية في الحرب ضد إيران. غير أن توقيت هذا التصريح أثار تساؤلات لدى بعض المراقبين، خصوصًا أنه جاء بعد أن أبدت عدة تشكيلات كردية رفضها الواضح للانخراط في هذه المواجهة.
ويرى بعض المراقبين أن نبرة التصريح بدت متعجرفة إلى حد ما، وكأنها محاولة لإظهار أن قرار إشراك الأكراد أو استبعادهم يبقى في النهاية بيد واشنطن. إلا أن القراءة السياسية الأعمق تشير إلى أن هذا الإعلان لا يعني بالضرورة استبعاد هذا الخيار بشكل نهائي، خصوصًا في ظل طبيعة الصراعات المتقلبة في المنطقة.
ويحذر بعض المحللين من أن الموقف الأميركي قد يظل قابلًا للتغيير في أي لحظة إذا تطورت مجريات الحرب أو إذا رأت واشنطن أن فتح جبهات إضافية قد يخدم أهدافها الاستراتيجية في مواجهة طهران. وتزداد هذه المخاوف في ظل العلاقة الوثيقة بين الولايات المتحدة واسرائيل، التي تسعى بدورها إلى توسيع الضغوط على إيران بطرق مختلفة.
ومع ذلك، فإن ما يستحق الإشارة في هذه اللحظة هو الموقف المتزن الذي أظهرته العديد من القيادات الكردية، والتي فضلت تجنب الانخراط في صراع لا يخدم مصالح شعبها. فبدلًا من الانجرار وراء وعود غير مؤكدة أو مغامرات عسكرية محفوفة بالمخاطر، اختارت هذه القيادات الحفاظ على استقرار مناطقها وحماية مجتمعاتها من تداعيات حرب إقليمية قد تمتد لسنوات.
إن هذا الموقف يعكس قدرًا من الحكمة السياسية التي تستحق الإشادة، لأنه يضع مصالح الشعب الكردي فوق أي حسابات أخرى. فالتاريخ القريب في الشرق الأوسط مليء بالأمثلة التي أظهرت كيف يمكن للقوى المحلية أن تتحول إلى أدوات في صراعات أكبر منها، قبل أن تُترك لاحقًا لمواجهة نتائج تلك الصراعات وحدها.