مرة جديدة يعود الجيش اللبناني إلى قلب السجال السياسي الداخلي، بعد مواقف وطنية عبّر عنها قائده رودولف هيكل في اجتماع داخلي مع الضباط. فالموقف الذي أطلقه هيكل لم يكن خروجاً عن الثوابت المعروفة للمؤسسة العسكرية، بل تأكيداً على معادلة واضحة لطالما ردّدها خلال الأشهر الماضية، وهي تمسّك الجيش أولاً بالوحدة الداخلية والاستقرار الوطني كأولوية مطلقة، ثم استكمال العمل بخطة حصر السلاح بيد الدولة بعد وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان وتعزيز قدرات الجيش وتمكينه.
موقف الجيش لم يتبدل، كما لم يتبدل موقف المفسدين والواشين والتقسيميين. فهذا الموقف، الذي ينسجم مع منطق المؤسسات العسكرية في أي دولة تواجه تهديداً خارجياً مستمراً، تحوّل سريعاً إلى مادة اشتباك سياسي وإعلامي، وصل، بحسب مصادر متابعة، إلى حد المطالبة بإقالة قائد الجيش والبحث عن بديل أكثر انسجاماً مع توجهات بعض القوى الداخلية والخارجية.
ترى المصادر، عبر “ليبانون ديبايت”، أن هذا التطور يعكس في جوهره صراعاً على وظيفة الجيش في لبنان، وهو صراع بدأ مع انتخاب رئيس الجمهورية جوزاف عون. فالنقاش لا يدور فعلياً حول شخص القائد أو مضمون تصريحاته، بل حول الدور الذي يُراد للمؤسسة العسكرية أن تلعبه في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة والضغوط المتزايدة على لبنان. وتشير إلى أن جزءاً من هذا الصراع يرتبط بمحاولات دفع الجيش إلى موقع المواجهة الداخلية، وتحديداً مع حزب الله، تحت عنوان تنفيذ قرارات سياسية تتعلق بحصر السلاح، إلا أن هذه المقاربة تتجاهل معطيات أساسية تتعلق بطبيعة التوازنات اللبنانية وبالواقع العسكري والأمني القائم.
الجيش اللبناني، منذ نهاية الحرب الأهلية، بنى عقيدته القتالية على قاعدة حماية الاستقرار الداخلي ومواجهة التهديدات الخارجية ضمن الإمكانات المتاحة، والعداء لإسرائيل. هذه العقيدة سمحت للمؤسسة العسكرية بالحفاظ على تماسكها في بلد منقسم سياسياً وطائفياً، وجعلتها في الوقت نفسه المؤسسة الوطنية الأكثر قبولاً لدى مختلف المكونات. لذلك فإن أي محاولة لتغيير هذا الدور جذرياً عبر زج الجيش في صراع داخلي مباشر مع قوة لبنانية تمتلك حضوراً شعبياً وعسكرياً واسعاً تحمل مخاطر كبيرة، ليس فقط على الاستقرار الأمني، بل على وحدة المؤسسة العسكرية نفسها.
تشير المصادر إلى أن موقف قائد الجيش الأخير لاقى تفهماً واسعاً داخل المؤسسة، خصوصاً بين الضباط الكبار الذين يدركون طبيعة التوازنات القائمة وحدود قدرة الجيش على خوض مواجهة داخلية بهذا الحجم. فالجيش، رغم أهميته الوطنية، لا يعمل في فراغ سياسي أو عسكري، بل ضمن بيئة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الداخلية مع الحسابات الإقليمية. ومن هنا يأتي القلق داخل المؤسسة من أي محاولة لتحويلها إلى أداة تنفيذ لخيارات سياسية قد تقود إلى انقسام داخلي أو إلى صدام واسع يصعب احتواؤه.
في المقابل، تظهر المؤشرات أن الضغوط الخارجية تلعب دوراً متزايداً في هذا الملف. فبعض الجهات الدولية ترى في اللحظة الحالية فرصة لإعادة ترتيب المشهد الأمني في لبنان، مستفيدة من الظروف الاقتصادية الصعبة ومن التحولات التي تشهدها المنطقة. هذه المقاربة تدفع باتجاه تسريع مسار حصر السلاح بمعزل عن الظروف الأمنية المحيطة بلبنان، وتحديداً الحرب. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن أي مقاربة أمنية لا تأخذ بعين الاعتبار البيئة الاستراتيجية المحيطة بلبنان ستبقى عرضة للفشل.
من هنا يمكن فهم الحساسية التي يعبّر عنها عدد من الضباط داخل المؤسسة العسكرية تجاه أي طرح يدفع الجيش إلى الصدام الداخلي. فهل دور الجيش هو الانسحاب من الحدود والانكفاء إلى الداخل لمواجهة اللبنانيين الذين يواجهون العدو الإسرائيلي؟ وهل يعتقد أحد أن بإمكانه تحويل الجيش إلى سلاح بيده لتحقيق أهداف سياسية؟
قيادة الجيش وضباطها الكبار، بغالبيتهم، مقتنعون بضرورة الحفاظ على دور الجيش كضامن للاستقرار الداخلي والحفاظ على بقاء الدولة نفسها. وهذا الموقف لا يعني رفض مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وهو هدف يقر به معظم اللبنانيين من حيث المبدأ. لكن السؤال الحقيقي يتعلق بآلية تحقيق هذا الهدف وبالتوقيت والظروف التي تسمح بتنفيذه من دون تعريض البلاد لهزة أمنية كبرى.
كل هذه الثوابت للجيش اللبناني يُراد تغييرها وتبديلها. لذلك، وبحسب المصادر، عادت لعبة الوشاية لتنشط داخل الأروقة الأميركية من قبل اللوبي اللبناني، والهدف مرة جديدة الدفع باتجاه تغيير قائد الجيش والإتيان بشخصية لا ترى في الصدام الداخلي مشكلة قد تعرّض لبنان للخطر.