المحلية

محمد المدني

محمد المدني

ليبانون ديبايت
الثلاثاء 10 آذار 2026 - 08:11 ليبانون ديبايت
محمد المدني

محمد المدني

ليبانون ديبايت

ما خفي عن صفقة الانتخابات

ما خفي عن صفقة الانتخابات

"ليبانون ديبايت" - محمد المدني

قرار تمديد ولاية مجلس النواب لمدة سنتين لم يكن مجرد إجراء تقني فرضته الظروف، بل يعكس في عمقه تقاطعاً واضحاً في مصالح معظم القوى السياسية اللبنانية، رغم اختلاف الخطابات العلنية بين مؤيد ومعارض. فكل فريق قرأ الاستحقاق الانتخابي من زاوية حساباته الخاصة، ليجد أن تأجيل الانتخابات في هذه المرحلة قد يكون أقل كلفة من الذهاب إلى معركة انتخابية في ظروف سياسية وأمنية غير مستقرة.


على الساحة الشيعية، تبدو الأسباب أكثر وضوحاً. فالبيئة التي تشكل القاعدة الأساسية لحزب الله وحركة أمل تعرضت خلال الفترة الأخيرة لضغوط كبيرة نتيجة الحرب والدمار والتهجير الذي طال مناطق واسعة في الجنوب والبقاع. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الصعب إجراء انتخابات طبيعية تعكس المزاج الشعبي الحقيقي. لذلك فإن مشاركة نواب حزب الله بكامل عددهم في جلسة المجلس امس حملت رسالة سياسية واضحة، أولاً الموافقة على خيار التمديد في هذه الظروف، وثانياً التأكيد أن الحزب ما زال حاضراً بقوة داخل المؤسسات الدستورية رغم الضغوط العسكرية والسياسية.


أما على الساحة المسيحية، فالصورة أكثر تعقيداً. فالقوات اللبنانية أعلنت معارضتها للتمديد لسنتين، لكنها في الواقع كانت تميل إلى تأجيل أقصر، لا يتجاوز ستة أشهر أو سنة واحدة. وعندما تبيّن أن هذا الطرح لا يملك الأكثرية داخل المجلس، اتجهت إلى التنسيق مع قوى أخرى مثل الكتائب والتيار الوطني الحر لطرح تمديد أطول. لكن في العمق، تدرك هذه القوى أن القانون الانتخابي الحالي وما يرتبط به من مسألة تصويت المغتربين وتأثيره على الحواصل الانتخابية قد يعيد توزيع المقاعد في بعض الدوائر الحساسة، وهو ما يجعل التأجيل بالنسبة لها فرصة لإعادة النقاش في بعض تفاصيل القانون قبل أي استحقاق انتخابي جديد.


أما التيار الوطني الحر، فيخوض مرحلة إعادة تموضع سياسي، وخصوصاً في علاقته مع حزب الله بعد سنوات من التحالف الوثيق. وفي ظل محاولة التيار إعادة تقديم نفسه كقوة مسيحية أكثر استقلالية، فإن الذهاب إلى انتخابات سريعة قد يضعه أمام تناقضات سياسية لم تُحسم بعد. لذلك يمنحه التمديد وقتاً إضافياً لإعادة ترتيب موقعه داخل الساحة المسيحية وتثبيت خطابه السياسي الجديد.


وفي البيئة الدرزية، تبدو حسابات الحزب التقدمي الاشتراكي مرتبطة أيضاً بالتحولات الإقليمية، وخصوصاً ما جرى في محافظة السويداء في سوريا. فقد انعكست تلك الأحداث على المزاج السياسي داخل جزء من المجتمع الدرزي في لبنان، وظهرت أصوات شبابية أكثر ميلاً إلى النقد والاعتراض على الاصطفافات الحزبية التقليدية. وفي ظل هذا المناخ، قد يحمل أي استحقاق انتخابي مخاطر تراجع في الالتفاف التقليدي حول الأحزاب، ما يجعل التمديد فرصة لاحتواء هذه التحولات وإعادة ترميم العلاقة مع القواعد الشعبية.


أما المستقلون، فيواجهون معادلة أكثر تعقيداً. فالقانون الانتخابي القائم على النسبية والحواصل المرتفعة يجعل الخرق الانتخابي خارج اللوائح القوية أمراً بالغ الصعوبة. ولذلك يسعى كثير منهم إلى التموضع داخل تحالفات قادرة على تحقيق الحاصل الانتخابي. وفي البيئة السنية تحديداً، حيث يغيب التوازن السياسي الواضح، يحاول العديد من الشخصيات المستقلة التموضع ضمن لوائح مدعومة من قوى مختلفة، ما يجعل الساحة السنية موزعة على عدة طاولات سياسية. ومن هنا فإن التمديد يمنح هؤلاء وقتاً إضافياً لإعادة بناء تحالفاتهم الانتخابية.


أما الساحة السنية نفسها، فتعيش حالة من التشتت السياسي منذ سنوات. فعودة تيار المستقبل المحتملة إلى الانتخابات، من دون إعادة تنظيم البيت السني سياسياً، قد تؤدي إلى توزيع الأصوات على عدة لوائح، ما يضعف القدرة التمثيلية للسنة داخل المجلس. لذلك يرى بعض المراقبين أن التأجيل قد يمنح هذه الساحة وقتاً لإعادة ترتيب توازناتها قبل أي استحقاق انتخابي جديد.


على مستوى السلطة التنفيذية، تبدو الحسابات أيضاً حاضرة. فرئيس الجمهورية العماد جوزيف عون قد يرى في التمديد نوعاً من الاستقرار المرحلي الذي يحافظ على التوازن القائم داخل السلطة التنفيذية، خصوصاً في ظل العلاقة القائمة مع رئيس الحكومة نواف سلام. أما رئيس الحكومة نفسه، الذي لا يستند إلى كتلة نيابية خاصة به داخل المجلس، فيبقى موقعه أكثر استقراراً في ظل المجلس الحالي الذي نشأت في ظله الحكومة، بينما قد تفتح الانتخابات باباً لتوازنات جديدة قد تنعكس على موقعه.


أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فمقاربته ترتبط أيضاً بالواقع الذي تعيشه البيئة الشيعية المتأثرة بالحرب والدمار، ما يجعل إجراء الانتخابات في هذه الظروف مسألة شديدة الحساسية. ومن هنا بدا خيار التمديد بالنسبة له أقرب إلى إدارة الواقع القائم إلى حين توفر ظروف أكثر استقراراً.


وفي المحصلة، يظهر قرار التمديد كأنه تقاطع مصالح بين معظم القوى السياسية اللبنانية، حتى بين من أعلنوا معارضته في العلن. فكل طرف يرى في تأجيل الانتخابات فرصة لكسب الوقت وإعادة ترتيب أوراقه قبل استحقاق انتخابي قد يعيد رسم الخريطة السياسية في لبنان. وهكذا، لم يكن التمديد مجرد قرار إداري، بل انعكاساً لمعادلة لبنانية معروفة: عندما يشعر الجميع بأن الانتخابات قد تحمل مخاطر غير محسوبة، يصبح تأجيلها الخيار الأقل كلفة للجميع.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة