المحلية

placeholder

المحرر السياسي

ليبانون ديبايت
الثلاثاء 10 آذار 2026 - 08:14 ليبانون ديبايت
placeholder

المحرر السياسي

ليبانون ديبايت

إلى متى سيبقى البعض يزعم أن الجيش مكتوف الأيدي؟

إلى متى سيبقى البعض يزعم أن الجيش مكتوف الأيدي؟

"ليبانون ديبايت" - المحرر السياسي


من حق الناس أن تسأل. من حقها أن تغضب. من حقها أن تقلق على الدولة، على السيادة، على القرار، وعلى ما تبقى من هيبة المؤسسات. ومن حقها أيضاً أن تطالب بحصر السلاح بيد الدولة، وأن تضغط على الحكومة لتتحمّل مسؤولياتها، وأن ترفع الصوت بوجه كل واقع لا يشبه منطق الدول. هذا حق طبيعي وواجب وطني. لكن ما ليس مقبولاً هو تحويل هذا الغضب إلى مشروع فتنة، وتحويل السيادة إلى شعار يُستخدم لدفع الجيش إلى حيث لا يجب أن يكون: إلى مواجهة الناس، إلى كسر وحدته، إلى تفجير الداخل، وإلى تقديم أكبر خدمة مجانية لإسرائيل.


فلنبدأ من الحقيقة التي يتعمّد البعض تجاهلها: الجيش ليس سلطة سياسية. الجيش ليس حزباً ولا فريقاً سياسياً. الجيش لا يقرّر الاستراتيجيات الوطنية الكبرى، بل ينفّذ قرار الدولة عندما يكون القرار واضحاً وموحّداً. هو ذراع الشرعية عندما تتماسك الشرعية، وأداة الدولة عندما تتفق الدولة على وجهتها. أما في بلد منقسم سياسياً وطائفياً مثل لبنان، فإن مطالبة الجيش بحسم ملف بهذا الحجم بالقوة ليست شجاعة، بل مغامرة قد تدفع البلد كله إلى الهاوية.


ثم أي جيش يريدون؟ أي جيش هذا الذي يُطلب منه أن يتصرّف وكأنه جسم منفصل عن المجتمع؟ أليس الجيش نفسه صورة عن لبنان؟ أليس عسكريوه من كل المناطق والطوائف والعائلات؟ أليس في صفوفه أبناء الجنوب والبقاع والضاحية كما في صفوفه أبناء الشمال والجبل وبيروت؟ كيف يمكن لمن ينظّر من بعيد أن يتجاهل هذه الحقيقة؟ وكيف يمكنه أن يتحدث عن “مواجهة” وكأنها تمرين نظري على شاشة، لا مسألة تمس وحدة المؤسسة العسكرية ومستقبلها؟


هل المطلوب أن يواجه الجيش أهله وناسه؟ وهل تبنى الدول عبر تفجير جيوشها من الداخل؟


هنا تكمن المشكلة الكبرى في هذا النوع من الخطاب. يبدأ بشعار سيادي جذاب، وينتهي بفتح الباب أمام أخطر سيناريو يمكن أن يواجهه لبنان: الصدام الداخلي. نعم، حصر السلاح بيد الدولة مطلب وطني واضح. نعم، هو مطلب الحكومة وكل من يريد دولة فعلية. لكن السؤال ليس في الهدف، بل في الطريق إليه. هل الطريق تمر عبر حرب أهلية؟ هل تقام الدولة فوق أنقاض جيشها؟ وهل تستعاد السيادة عبر تفجير المجتمع من الداخل؟


الأخطر أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة استراتيجية واضحة: إسرائيل لا تحتاج اليوم إلى حرب كبرى مع لبنان إذا كان اللبنانيون مستعدين لفتح حرب بينهم. إسرائيل لا تحلم بشيء أكثر من لبنان ممزق، منهك، متنازع على ذاته، يفتح جبهاته الداخلية بنفسه ويستنزف مؤسساته بنفسه.


وعندما يخرج من يدفع نحو صدام داخلي تحت عنوان “الحسم”، فإنه عملياً، بالمضمون لا بالشعار، يخدم الأجندة الإسرائيلية. قد لا يقصد ذلك، وقد يعتقد أنه يدافع عن السيادة، لكن النتيجة واحدة: تفجير الداخل اللبناني، وهو بالضبط ما تريده إسرائيل منذ عقود.


أخطر ما يمكن أن يُقدَّم لإسرائيل ليس خطاباً ولا سجالاً سياسياً. أخطر ما يمكن أن يُقدَّم لها هو أن يقتنع اللبنانيون بأن خلاصهم يمر عبر اقتتالهم. أن يتحول الجيش إلى طرف في الانقسام، وأن يصبح العسكري اللبناني في مواجهة مواطن لبناني آخر. عندها فقط تكون إسرائيل قد ربحت من دون أن تطلق رصاصة واحدة.


ثم من قال إن التروي ضعف؟ من قال إن الحكمة عجز؟ القيادة العسكرية لا تحسب لحظة الاشتباك فقط، بل ما بعدها. ماذا لو انزلقت الأمور؟ ماذا لو توسعت المواجهة؟ ماذا لو انفجر البلد كله؟ من يتحمل المسؤولية يومها؟ الذين يطلقون الشعارات من الاستديوهات، أم العسكري الذي يقف على الحاجز بين شارع وشارع، وبين نار ونار؟


الحقيقة التي يتجاهلها البعض أن الجيش اللبناني لم يُبنَ ليكون أداة صراع داخلي، بل صمام أمان داخلي. هذه ليست نقطة ضعفه بل مصدر قوته. قوته أنه المؤسسة الوطنية الوحيدة التي ما زالت تشبه لبنان كله. قوته أنه لم يتحول إلى جيش فئة، وأنه حافظ، رغم كل الانهيارات، على وحدته وعلى رمزيته الوطنية.


فهل المطلوب اليوم تدمير هذه القوة باسم استعجال حل لا يمكن فرضه بالقوة؟


لا أحد يطلب من الدولة أن تتراجع، ولا أحد يقول إن بقاء السلاح خارج الشرعية يمكن أن يكون أمراً دائماً. لكن بين بناء الدولة وبين تفجير الداخل مسافة وطن. بين حصر السلاح وبين جرّ الجيش إلى فتنة مسافة وطن. وبين السيادة وبين الحرب الأهلية مسافة وطن.


الجيش ليس مكتوف الأيدي. الجيش يعمل ضمن واقع لبناني معقد يعرفه جيداً من يقرأ الدولة كما هي، لا كما يتخيلها في الخطابات. الجيش لا يتهرب من دوره، بل يتمسك بأصعب أدواره: أن يبقى جيشاً لكل اللبنانيين، لا طرفاً في حرب بينهم.


وفي بلد مثل لبنان، هذه ليست مهمة عادية. هذه المهمة الوطنية الأولى.


أما المزايدة على الجيش، واستسهال الزج به في مواجهة داخلية، فليست بطولة. البطولة الحقيقية هي حماية الجيش من الاستثمار السياسي، وحماية الدولة من الجنون، وحماية لبنان من الفخ الإسرائيلي الأخطر: أن يقتتل أبناؤه باسم إنقاذه.


والمفارقة أن الحملة التي تستهدف الجيش تتصاعد في وقت يعيش فيه لبنان أكبر انهيار في تاريخه الحديث. انهارت المصارف، وتهاوت مؤسسات الدولة، وتراجعت الإدارة العامة والخدمات الأساسية. وسط هذا المشهد المتهالك بقيت مؤسسة واحدة تمسك بخيط الاستقرار: الجيش اللبناني.


من هنا يصبح السؤال أخطر: هل ما يجري مجرد نقد سياسي عابر، أم أننا أمام حملة منظمة لضرب آخر مؤسسة يقوم عليها البلد؟


لأن استهداف الجيش لا يعني إضعاف مؤسسة عسكرية فحسب، بل يعني عملياً ضرب آخر أعمدة الدولة. وإذا سقط الجيش، ماذا يبقى من الدولة؟ ومن يحفظ الأمن؟ ومن يمنع الانفجار؟


وهنا يجب أن يُطرح السؤال الحقيقي: إلى متى سيبقى البعض يطالب الجيش بما لا يجوز أن يفعله؟ وإلى متى سيبقى التنظير من بعيد بديلاً من قراءة الوقائع؟ وإلى متى سيبقى من يدفع إلى الصدام الداخلي يقدّم نفسه حامياً للدولة… فيما هو يضع آخر مؤسساتها الجامعة على حافة الانفجار؟

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة