تستمر معدّلات النزوح من البلدات والمناطق التي تتعرض للعدوان الإسرائيلي في الإرتفاع يومياً. فحتى مساء الثلاثاء، وبحسب دراسة صادرة عن مفوضية الأمم المُتحدة لشؤون اللاجئين، سجّل 667,831 شخص أنفسهم ذاتياً لدى الحكومة بوصفهم نازحين، فيما يقيم أكثر من 119,700 شخص في 567 مركز إيواء جماعي. إلى ذلك، عبر نحو 70,700 سوري و7,000 لبناني إلى سوريا وفقاً للسلطات السورية، أما في أرقام وحدة إدارة مخاطر الكوارث التابعة لمجلس الوزراء، فإن عدد النازحين المُسجلين ذاتيا حتى مساء الثلاثاء بلغ 759.300 نازح، وفي مراكز الإيواء 122.600 نازح، أما العدد الاجمالي للعائلات النازحة فهو 31.500 عائلة.
وتشير الدراسة إلى أنه في مقابل موجة النزوح هذه، تواجه مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان نقصاً حاداً في التمويل، إذ لم تحصل سوى على 14 بالمئة من التمويل من أصل إحتياجات تبلغ 472 مليون دولار.هذا الرقم يُشكل تحديا للحكومة اللبنانية، بحسب الخبراء، لأن حكومة الرئيس نواف سلام تُحاول تغطية تكاليف إيواء النازحين بشكل رئيسي من خلال ميزانية الطوارئ المحدودة، وبالإعتماد الكبير على المساعدات الدولية والأممية (مثل الأونروا)، بالإضافة إلى تحويل المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء، مع وعود بتغطية إستشفائية بنسبة 100 بالمئة في المستشفيات الحكومية، والجهود المحلية أي تبرعات ومساعدات أهلية وجمعيات خيرية، لتغطية النقص في الغذاء والمياه والخدمات داخل مراكز الإيواء.
والسؤال الذي يُطرح هنا، كيف سينعكس تواضع إمكانات الحكومة، وشحّ المساعدات الدولية على تلبية حاجات النازحين الضرورية؟
يجزم مصدر مختص ل"ليبانون ديبايت" بأن "الدعم الدولي والإنساني للنازحين في لبنان خلال الحرب الجارية أقل من حجم الحاجة الفعلية، أو على الأقل لا يغطي كل المُتطلبات لعدة أسباب أولها إرتفاع كبير في عدد النازحين خلال أيام قليلة من التصعيد العسكري، إذ نزح أكثر من 667 ألف شخص داخل لبنان بسبب الغارات وأوامر الإخلاء، في الوقت الذي أعلنت الحكومة عن تسجيل نحو 700 ألف نازح على منصات المساعدة ومراكز الإيواء وهذا الرقم الكبير خلق ضغطاً سريعاً على المدارس، التي تحولت إلى مراكز إيواء والغذاء والمياه والرعاية الصحية"، لافتا إلى أن "وكالات الأُمم المتحدة تُحذّر من عدم قدرتها على الإستجابة الإنسانية لمتطلبات أزمة النزوح في لبنان لأنها تعاني نقصاً في التمويل، في حين أن خطة الإستجابة تحتاج إلى حوالي مليار دولار لمساعدة الفئات المتضررة. بمعنى آخر الأموال غالباً تصل ببطء أو أقل من المطلوب، في حين أن أعداد النازحين تزداد أسرع من قدرة الإغاثة ولبنان أصلاً يعاني أزمة اقتصادية حادة لذلك كثير من التقارير تصف الوضع بأنه "أزمة إنسانية تحت ضغط التمويل".
ويعتبر المصدر أنه "في مقارنة لقدرات الحكومة اليوم على تلبية حاجات النزوح، تُعتبر أضعف أو على الأقل مشابهة للصعوبات التي كانت موجودة خلال حرب٢٠٢٤، لعدة أسباب أولها إستمرار الأزمة المالية ومعظم الوزارات تعمل بميزانيات ضعيفة، مع فارق أنه في حرب ٢٠٢٤، أن الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية (مثل الصليب الأحمر وبرنامج الغذاء العالمي) لعبت الدور الأكبر في المساعدات، والدولة كانت تنسّق أكثر مما تموّل، بالإضافة إلى أن معدل التضخم والأسعار وكلفة الغذاء، الوقود، والنقل أعلى حاليا بكثير مما كانت عليه سابقاً، وهذا يجعل كلفة تأمين المساعدات أعلى حتى لو توفّر التمويل".
ويجزم بأن "أزمة النزوح الحالية قد تكون أصعب من أزمة حرب 2006 لعدة أسباب رئيسية أبرزها، الوضع النقدي كان مُستقرا تقريبا، الدولة كانت قادرة نسبياً على تمويل جزء من الإغاثة، والبنوك تعمل بشكل طبيعي.أما اليوم فلبنان يعيش أزمة اقتصادية ومالية عميقة منذ 2019، والدولة لديها قدرة محدودة جداً على تمويل الإغاثة ومعظم البلديات والجمعيات إمكاناتها ضعيفة، لذلك العبء الأكبر يقع على المنظمات الدولية والمجتمع المحلي وعدد النازحين أكبر"، لافتا إلى أنه "في حرب 2006 نزح حوالي مليون شخص لكن لفترة قصيرة نسبياً، أما اليوم لبنان أصلاً يستضيف عدداً كبيراً من اللاجئين السوريين، والبنية التحتية (مياه، كهرباء، مدارس) تحت ضغط منذ سنوات، لذلك أي موجة نزوح جديدة تضغط النظام أكثر بكثير، وأسعار الغذاء مرتفعة والإيجارات إرتفعت بسبب الطلب وكلفة المعيشة أصبحت أعلى، وقدرة المجتمع على الإستضافة أقل، فكثير من العائلات اللبنانية تعاني مالياً أصلاً لذلك قدرتها على إستقبال نازحين أقل".
ويختم:"قدرة الحكومة اليوم ليست أفضل من العام ٢٠٢٤ وربما أضعف قليلاً، لذلك يبقى الإعتماد الأساسي على المساعدات الدولية والمجتمع المحلي والبلديات لتغطية حاجات النازحين".