رغم الضربات القاسية التي تلقتها إيران خلال الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن ضعف الجمهورية الإسلامية لا يعني بالضرورة تراجع خطرها، بل قد يجعلها أكثر ميلاً إلى التصعيد والعنف. هذه الخلاصة يطرحها أفشون أوستوفار في مقال تحليلي نشرته مجلة "فورين أفيرز"، محذراً من أن إيران الجريحة قد تبقى تهديداً كبيراً للاستقرار الإقليمي والدولي.
فبعد نحو أسبوعين من الضربات المكثفة، تبدو الجمهورية الإسلامية في أضعف حالاتها منذ قيامها عام 1979. فقد أدت الهجمات الأميركية والإسرائيلية إلى مقتل جزء كبير من قيادتها، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، كما دُمرت أجزاء واسعة من أسطولها البحري وتضررت قدراتها الصاروخية بشكل كبير، فضلاً عن استهداف منشآتها النووية. كما تعرضت مؤسسات حكومية ومقار عسكرية ومراكز أمنية للقصف، بما في ذلك مقر الحرس الثوري الإيراني.
ومع ذلك، يؤكد الكاتب أن النظام لم يسقط. فقد اختارت القيادة الإيرانية نجل خامنئي المتشدد، مجتبى خامنئي، خلفاً لوالده، في خطوة تعكس رغبة في الحفاظ على استمرارية النظام. كما لا يزال الحرس الثوري يعمل، بينما تتوحد مؤسسات الدولة خلف حملة الرد العسكري ضد الولايات المتحدة وحلفائها.
ويشير أوستوفار إلى أن إيران، حتى وهي في وضع ضعيف، لا تزال قادرة على إلحاق الضرر بخصومها وجيرانها. فمع تراجع برامجها الاستراتيجية التي استثمرت فيها لعقود، مثل الصواريخ والبنية التحتية النووية، وتدهور اقتصادها وتوتر علاقاتها الإقليمية، قد يلجأ النظام إلى أدوات أقل كلفة وأكثر خطورة مثل العمليات الإرهابية.
ويستعرض المقال جذور القوة الإيرانية منذ الثورة الإسلامية عام 1979، حين سعت طهران إلى بناء نفوذ إقليمي واسع عبر الحرس الثوري وشبكة من الميليشيات الحليفة. وقد تمكنت هذه الاستراتيجية، رغم كلفتها الاقتصادية، من تحويل إيران إلى لاعب إقليمي رئيسي بحلول عام 2023، مع نفوذ يمتد من لبنان إلى العراق.
غير أن هذا النهج العدائي قاد في النهاية إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة. فالهجمات التي نفذتها حركة حماس ضد إسرائيل في 7 تشرين الأول 2023 شكلت نقطة تحول، إذ ردت إسرائيل باستهداف حلفاء إيران في المنطقة، بينما اندلعت لاحقاً مواجهة مباشرة شملت ضربات صاروخية متبادلة.
ويحذر الكاتب من أن النظام الإيراني، إذا تمكن من الصمود في الحرب الحالية، قد يلجأ إلى استراتيجية انتقامية شبيهة بما حدث بعد الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، حين توسعت عمليات الاغتيال والهجمات الإرهابية في الخارج. وقد يشمل ذلك استهداف مصالح أو مواطنين أميركيين وإسرائيليين وأوروبيين في دول أخرى.
كما يبرز خطر آخر يتمثل في احتمال اندفاع إيران نحو امتلاك سلاح نووي، خصوصاً مع وفاة خامنئي الذي كان قد أصدر فتوى تحظر تطوير هذا السلاح. فخلفه مجتبى قد يرى في السلاح النووي الوسيلة الوحيدة لاستعادة الردع بعد الضربات التي تلقتها بلاده.
ويخلص أوستوفار إلى أن أفضل سيناريو قد يكون التوصل إلى تسوية مع واشنطن تتخلى فيها طهران عن سياساتها العدائية مقابل رفع العقوبات. إلا أن تاريخ الجمهورية الإسلامية يشير إلى أن النظام غالباً ما يختار المواجهة بدلاً من التراجع، حتى لو كان الثمن مزيداً من الأزمات لشعبه والمنطقة.