كشفت الحرب المتجددة بين إسرائيل وحزب الله عن مؤشرات تعب وتململ متزايد داخل البيئة الشعبية الداعمة للحزب في لبنان، بعدما وجد عشرات الآلاف أنفسهم مجدداً أمام واقع النزوح والدمار، في ثاني حرب كبيرة تشهدها البلاد خلال أقل من عامين.
وبحسب تقرير للصحافية كريستينا غولدباوم نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن كثيراً من اللبنانيين، ولا سيما في المناطق التي تشكل قاعدة اجتماعية لحزب الله، باتوا يشعرون بإرهاق عميق من الحروب المتكررة. ويقول حسن كويك، وهو مزارع يبلغ 64 عاماً من بلدة قريبة من الحدود مع إسرائيل، إن منزله تضرر بشدة في التصعيد السابق ويخشى اليوم أن يُدمّر بالكامل. ويضيف: "نحن فقط نريد أن نعود إلى بيوتنا".
هذا الشعور يتكرر لدى كثير من النازحين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم مجدداً مع اندلاع المواجهات الأخيرة. وتقول هند (43 عاماً)، التي أمضت ليلة على كورنيش بيروت بعد إخلاء منزلها في الضاحية الجنوبية: "متعبون؟ نحن أبعد من التعب".
ويشير التقرير إلى أن الحرب الحالية فاجأت كثيرين داخل لبنان، بمن فيهم مسؤولون حكوميون ودبلوماسيون وحتى بعض مؤيدي حزب الله، إذ لم يكن متوقعاً أن يفتح الحزب جبهة جديدة مع إسرائيل دعماً لإيران بعد الضربات الأميركية-الإسرائيلية التي أدت إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
وبذلك يجد لبنان نفسه أمام حرب كبرى ثانية خلال أقل من عامين، في وقت تتعرض فيه قاعدة حزب الله الاجتماعية لاختبار غير مسبوق. فالحماس الأيديولوجي الذي كان سائداً في صفوف أنصار الحزب للمواجهة مع إسرائيل بدأ يصطدم بواقع الخسائر الكبيرة التي تكبدها لبنان نتيجة حروب خاضها الحزب دفاعاً عن حلفائه الإقليميين.
وتشير فاطمة داود، التي نزحت من الضاحية الجنوبية لبيروت، إلى هذا التناقض بوضوح قائلة: "الحرب كانت بين إسرائيل وإيران، ولم يكن لنا علاقة بها. لماذا تدخل حزب الله؟".
ويضيف التقرير أن التوتر داخل بيئة الحزب كان قد بدأ قبل الحرب الأخيرة، بسبب شعور متزايد لدى بعض أنصاره بأن إيران لم تقدم الدعم الكافي خلال الحرب السابقة مع إسرائيل عام 2024، خصوصاً بعد اغتيال الأمين العام السابق حسن نصر الله والقصف الواسع الذي تعرض له لبنان وأدى إلى مقتل نحو 4000 شخص.
كما تزايدت مشاعر الإحباط بسبب محدودية المساعدات المالية التي حصل عليها المتضررون لإعادة بناء منازلهم. ويقول المزارع حسن كويك إنه تلقى نحو 3400 دولار فقط للمساعدة في ترميم منزله، رغم أنه اضطر إلى إنفاق أكثر من 23000 دولار من مدخراته لإعادة تأهيله.
وفي ظل هذا الواقع، بدأ بعض سكان المناطق المؤيدة للحزب يبدون استعداداً أكبر لدعم دور الدولة اللبنانية. وتقول ليلى صفا، التي نزحت من منطقة النبطية وتعيش حالياً في مركز إيواء في بيروت: "مهما تقرره الدولة سأدعمه... الناس تحتاج أن تعيش".
ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن كثيرين ما زالوا يرون في حزب الله الضامن الأساسي لأمن الطائفة الشيعية في لبنان، خصوصاً في ظل المخاوف من عودة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب البلاد أو تعرض هذه المناطق لموجات نزوح جديدة. وبين هذا الشعور بالحاجة إلى الحماية والإرهاق من الحروب، تبدو قاعدة الحزب الشعبية اليوم أمام اختبار صعب وغير مسبوق.