في تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، يرى الصحافي الإيراني أكبر غنجي أن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في عملية نسبت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، وما تبعها من ضربات استهدفت اجتماع مجلس خبراء القيادة، دفع النظام الإيراني إلى حسم ملف الخلافة بشكل عاجل واختيار ابنه مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للبلاد.
وبحسب المقال، لم يكن اختيار مجتبى نتيجة اعتبارات الكفاءة فقط، بل جاء أساساً نتيجة الظروف الطارئة التي فرضتها الحرب. فبعد مقتل عدد كبير من القيادات العسكرية والدينية الإيرانية في الضربات الأميركية والإسرائيلية، سعى النظام إلى الحفاظ على قدر من الاستمرارية في قمة السلطة، ما جعل نجل المرشد الراحل الخيار الأكثر قدرة على تثبيت تماسك النظام.
ويشير غنجي إلى أن عاملًا إضافياً لعب دوراً حاسماً في هذا القرار، وهو التصريحات الأميركية والإسرائيلية التي هددت باستهداف القيادة الإيرانية الجديدة. فقد عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن رفضه تولي مجتبى خامنئي المنصب، واصفاً إياه بأنه "غير مقبول". كما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس أن أي قائد جديد للنظام الإيراني سيكون هدفاً محتملاً للاغتيال.
ويرى الكاتب أن هذه التصريحات جاءت بنتيجة عكسية، إذ اعتبرتها طهران إهانة للسيادة الوطنية، ما دفعها إلى الرد عبر اختيار شخصية تمثل تحدياً للضغوط الخارجية حتى لو خالف ذلك تقاليد النظام نفسه.
فمن الناحية الدستورية والأيديولوجية، يثير تعيين مجتبى خامنئي إشكاليات داخل النظام الإيراني. فمبدأ "ولاية الفقيه" يشترط أن يمتلك المرشد الأعلى مؤهلات دينية رفيعة، بينما يُعد مجتبى رجل دين متوسط الرتبة ولم يصدر أعمالاً فقهية كبرى تثبت مكانته الدينية، كما لم يحصل على اعتراف من كبار المراجع الدينية بامتلاكه سلطة الاجتهاد المستقلة.
ومع ذلك، كان مجتبى طوال السنوات الماضية شخصية مؤثرة خلف الكواليس، إذ حافظ على علاقات وثيقة مع المؤسسات الأمنية والعسكرية، وخصوصاً الحرس الثوري، ما عزز موقعه داخل دوائر السلطة.
ويشير المقال إلى أن صعوده يحظى بدعم التيار المتشدد داخل النظام، وعلى رأسه شخصيات مثل سعيد جليلي وقيادات الحرس الثوري والباسيج. ويُتوقع أن يؤدي هذا التحالف إلى تعزيز نفوذ الحرس الثوري داخل الدولة، وتشديد القبضة الأمنية في الداخل، والاستمرار في السياسات الخارجية المتشددة تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي المقابل، كانت التيارات الإصلاحية والمعتدلة، بقيادة الرئيسين السابقين محمد خاتمي وحسن روحاني، تفضّل اختيار شخصية أكثر اعتدالاً قادرة على تحقيق توافق داخلي وإطلاق إصلاحات سياسية واقتصادية. إلا أن ظروف الحرب، بحسب غنجي، حدّت من قدرة هذه القوى على التأثير في عملية اختيار المرشد الجديد.
ويرجح الكاتب أن يسير مجتبى خامنئي على خطى والده في الحكم، مع تركيز أكبر على الأمن الداخلي وتعزيز دور الحرس الثوري وتشديد الرقابة على الإعلام والإنترنت وقمع المعارضة.
ويخلص غنجي إلى أن اغتيال المرشد السابق أو حتى اغتيال خليفته لن يؤدي بالضرورة إلى انهيار النظام الإيراني. فالبنية المؤسسية للنظام، وخاصة شبكة الحرس الثوري اللامركزية وخطط الخلافة المتعددة، تمنحه قدرة كبيرة على الصمود.
لكن الكاتب يرى في المقابل أن الصراع الدائر بين النظام الإيراني من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى لن يحل أزمات إيران العميقة، مؤكداً أن أي تغيير حقيقي في البلاد لن يأتي إلا عبر تحولات يقودها الإيرانيون أنفسهم.