في مشهد يعيد إلى الأذهان مآسي العقود الماضية، وجدت دول الخليج العربي نفسها فجأة في قلب عاصفة لم تكن طرفاً فيها، مع خسائر كارثية، رغم أنها كانت تسعى بكل جهد لتجنبها. فمع شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً واسعاً على إيران فجر 28 فبراير، تحوّلت القواعد الأمريكية المنتشرة في منطقة الخليج من أدوات هجومية إلى أهداف شرعية للرد الإيراني، واضعة حلفاء واشنطن في موقف بالغ الصعوبة.
الخليج تحت النيران.. والخسائر تتجاوز الماديات
لم يتأخر الرد الإيراني ساعات، لكنه لم يقتصر على إسرائيل فقط. فقد استهدفت صواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية قاعدة البحرية الأمريكية في البحرين، ومطار الكويت الدولي، ومنشآت حيوية في الإمارات العربية المتحدة، بما في ذلك مطار دبي الدولي وفندق على نخلة جميرا. وفي مشهد يختزل حجم الكارثة، قُتل عامل مهاجر وأصيب العشرات بشظايا صواريخ اعترضتها الدفاعات الجوية في أبوظبي.
الخسائر لم تكن بشرية فحسب، بل طالت الاقتصاد ذاته. فقد أغلقت قطر والإمارات مجالهما الجوي، مما شلّ حركة اثنين من أكبر شركات الطيران في العالم مع خسائر بالمليارات. والأخطر أن ناقلات النفط بدأت تتجنب عبور مضيق هرمز، الذي يمر عبره ثلث إنتاج العالم من النفط البحري، مما دفع الأسعار للقفز فوق حاجز 90 دولاراً للبرميل وأجبر بعض دول الخليج على خفض إنتاجها. حتى الآن، أعلنت الإمارات وحدها عن اعتراض 161 صاروخاً باليستياً و645 مسيّرة، مع ما يشمله ذلك من تكاليف مادية باهظة لتجهيزات الدفاع، إضافة إلى أن ما سقط من صواريخ ومسيّرات وبقايا سلاح أحدث أضراراً مادية ونفسية بالغة في تلك الدول.
كما زعزعت الضربات الإيرانية صورة الاستقرار والأمان في منطقة الخليج، والتي ساعدتها على مدار سنوات مضت، بجذب الاستثمارات، واستقطاب المغتربين، وجذب السياحة من جميع أنحاء العالم. لكن طول أمد الحرب الحالية أو تحوّلها إلى ما يشبه "حرب استنزاف" يهدّد دول الخليج بتبعات كارثية على المستوى الأمني والاقتصادي والجيوسياسي
خبراء: دول الخليج بحاجة لـ 20 مليار دولار لحماية النفط فقط.. لا لتعويض الأضرار
الأسئلة الملحّة هنا، ما هي الخسائر التي قد تتكبّدها دول الخليج جراء هذا الصراع؟ وهل ستعوضهم واشنطن عن تلك الخسائر؟ وهل يمكن لطول أمد الصراع والخسائر التي تتكبدها الدول الخليجية أن تدفعها للمخاطرة بالدخول بمواجهة مباشرة مع إيران، مع ما يحمله هذا الاحتمال من سيناريوهات كارثية؟
يجيب بعض المحللين والخبراء بأنه لا شك أن دول الخليج هي الطرف الأكثر عرضة لما يُعرف بـ"الأضرار الجانبية" في هذا الصراع الذي بدأ ثلاثياً واستحال مناطقياً حتى شمل ما لا يقل عن 12 دولة حتى الآن. ومن جملة الأضرار التي يعدّدها محللون ومراقبون للضربات الإيرانية على دول الخليج: تعطيل الملاحة البحرية، وزعزعة ثقة المستثمرين، وتدمير البنية التحتية للطاقة، وتهديد أمن الخليج الذي يُترجم أي خلل فيه فوراً في صورة خسائر اقتصادية قد لا تعوّضها طفرات أسعار النفط المؤقتة.
حيث تأثرت الملاحة والتجارة العالميتين وأسواق النفط والبورصات بالصراع في الشرق. غير أن الوضع يبقى في الخليج كارثياً إذ تُسهم التطورات الأخيرة في اهتزاز نموذج "الاستقرار الجاذب" الذي لطالما اعتمدت عليه دول الخليج لبناء سمعتها كملاذ آمن لجذب الاستثمارات والسياحة. طول أمد هذا الصراع قد يؤدي إلى انهيار هذه الفكرة كلياً. عدا عن ذلك، بفعل إغلاق مضيق هرمز، ارتفعت تكاليف الشحن وكذلك أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العابرة للخليج، وفي حال طال الصراع، قد تتوقّف بعض شركات الملاحة تماماً عن دخول المنطقة.
فضلاً عمّا سبق، هروب رؤوس الأموال من دول الخليج مطروح بقوة حيث قد يدفع الوضع الأمني والعسكري المضطرب المستثمرين الأجانب والشركات العالمية إلى نقل مقارها الإقليمية من دبي والرياض - بعد عقود من العمل لجذبها- إلى مناطق أكثر أماناً، مما يعطل خطط تنويع الاقتصاد في هذه الدول عبر "رؤية 2030" في السعودية وما شابه.
خبراء: واشنطن لن تعوّض دول الخليج عن الخسائر بعد أن ورطتهم بالحرب
في خضم هذه الأزمة، يبرز سؤال التعويضات بشكل ملحّ. هل ستعوّض واشنطن حلفاءها الذين تحولت أراضيهم إلى ساحة حرب بسبب قرار أمريكي أحادي؟
في سياق متصل، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور نبيل محي الدين بأن المعطيات المتوفرة حتى الآن تشير إلى إجابة محبطة. لم تعلن أي جهة أمريكية عن نية لدفع تعويضات للدول الخليجية عن الخسائر البشرية أو المادية المباشرة. بدلاً من ذلك، أعلن الرئيس ترامب في 6 مارس عن برنامج إعادة تأمين بحري بقيمة 20 مليار دولار. البرنامج، الذي تديره مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية، يهدف إلى تغطية مخاطر الحرب للسفن التجارية وناقلات النفط التي تعبر مياه الخليج، وذلك لإنعاش التجارة العالمية وضبط أسعار النفط.
وبحسب محي الدين فإن الرسالة الأمريكية واضحة، الهمّ الأول لواشنطن هو استمرار تدفق الطاقة وليس تعويض حلفائها عما لحق بهم من دمار. حتى أن فكرة مرافقة السفن الحربية الأمريكية لناقلات النفط تهدف بالأساس لحماية الاقتصاد العالمي، وليس لحماية المدن الخليجية من الصواريخ.
في هذا السياق المأساوي، تجد دول الخليج نفسها أمام خيارات صعبة. فبعد أن كانت تمنع استخدام أراضيها لشن هجمات على إيران، ها هي تتعرض للقصف من إيران دون أي قدرة على درء هذه الهجمات أو الرد عليها حتى. وهذا ما دفع محللين إلى توقع أن ترفع هذه الدول القيود عن استخدام أمريكا لقواعدها، مادامت قد استُهدفت بالفعل. وكما قال العقيد المتقاعد عباس داخوك لصحيفة "جيروزاليم بوست": "المنطقة يجب أن تنظر إلى النظام الإيراني كتهديد مشترك مع أمريكا وإسرائيل.. في هذه اللحظة، ليس لديهم بديل آخر". وهذا ما يشير إلى سيناريوهات مدمرة وخطيرة تنتظر الدول الخليجية، ستجعلها بحاجة سنين طويلة للتعافي من نتائج هذا الصراع، في حال لم يتم وضع حد لهذه الحرب العبثية ير واضحة الأهداف.
الواقع المرير الذي يعيشه الخليج اليوم هو أن حليفاً قوياً كالولايات المتحدة يمكن أن يجرّه إلى حرب لا يريدها، ثم يتركه يواجه العواقب وحيداً، أو على الأقل ببرامج تأمين تجارية تحمي مصالح الطاقة العالمية، بينما تبقى جراح المدن والقاطنين فيها بلا تعويض، عدا عن الضرر المعنوي الكبير للسياحة والصورة العالمية لبعض المدن الخليجية التي كانت قبلة للسياح.
واشنطن تتفرد بقرار الحرب وتتهرب من التعويضات
السؤال اليوم الذي يطرحه كل مواطن خليجي، لماذا هاجمت أمريكا إيران دون أن تطلب رأينا، حتى بعد أن طلبنا منها صراحة عدم القيام بذلك؟ قبل أيام من الهجوم، حذّرت دول مجلس التعاون، وبخاصة السعودية والإمارات، الإدارة الأمريكية من مغبة هذه المغامرة. بل إن سلطنة عُمان كانت تتوسط لعقد صفقة دبلوماسية كانت "في المتناول" حسب وصف وزير خارجيتها، قبل ساعات فقط من بدء القصف.
واشنطن تتجنب الحديث عن تعويضات وبررت قرارها بالحرب بأسباب عملياتية واستخباراتية. لكن رواية واشنطن لا تخلو من تناقض. فبينما تؤكد مصادر خليجية أن تحذيراتها قوبلت بالتجاهل، تقول إدارة ترامب إنها أبلغت بعض حلفائها مسبقاً. لكن هذا يتناقض مع الموقف الخليجي الرسمي العلني الذي كان يحذر من الانزلاق للحرب.