المحلية

نوال نصر

نوال نصر

ليبانون ديبايت
الأحد 15 آذار 2026 - 07:56 ليبانون ديبايت
نوال نصر

نوال نصر

ليبانون ديبايت

المسيحيون الصامدون والشيعة الأحرار... من أعطى "الحزب" سند أخضر بـ لبنان؟

المسيحيون الصامدون والشيعة الأحرار... من أعطى "الحزب" سند أخضر بـ لبنان؟


بينما عداد الموت يتسارع، والضحايا أرقام، والأرقام بلا سقوف، يطلّ من يُنبئنا من جديد- بالأفعال والأقوال، أنه- باسم الجميع- فوق الجميع. إنه اللعب على الكلام والعبث بالمشاعر. هذا "اللاعب" يتحرك، يُقدم ويُخطئ. وفي كل مرة يُخطئ فيها الحساب يطلّ بمرادفاتٍ جوفاء من نوع: "تحركنا إستباقياً"... و"لو كنت أعلم"، فيلاقيها اللبنانيون الطيبون بأحكامٍ تخفيفية من نوع: "مش وقتا المحاسبة الآن". لكن، الفواتير الباهظة التي كبدها "حزب الله" للبنان، باتت أكبر من قدرة اللبنانيين على التحمل والقبول. فكفى, التواريخ السوداء كثيرة. مات فيها من مات. وها أنتم تراهنون من جديد على ذاكرة اللبنانيين المثقوبة مكررين على أكوام الجثث والرماد: منتصرون. فماذا ينتظرنا بعد؟ من قال لهؤلاء أن الضحايا سعداء؟ من قال لهم أن اللبنانيين يريدون إسناد غزة وإيران وبلاد "الهونولولو"؟ من أعطاهم كمقاومة إسلامية سنداً أخضر بلبنان؟ إننا في منتصف آذار جديد بعد ذاك الذي نزل فيه اللبنانيون بالملايين رافعين يافطات: حزب الله إرهابي. ألا تتذكرون. فماذا بعد؟


"ليبانون ديبايت"-نوال نصر


البارحة قال نعيم قاسم "نحن إستشهاديون". نعم، نصدقه. فالإستشهادي يا أخوان يكون بحسب علم النفس "ملتزماً، متزمتاً، يُمسك الدين من منظاره، ويدعي أنه يقوم، بما يقوم به، إكراماً لله، وكأن الله يحتاج إلى سلوكيات عدائية، من قِبل من يدعون الدفاع عنه. الإستشهادي مستعدّ لتقديم حياته في سبيل أمر ما، وخدمة لجماعة نجحت في إستنهاض مشاعره الدينية و"أدلجته" في حالة من اللاوعي فتتخمر الأفكار الغريبة في دماغه وتصبح معتقدات". هذه عملية طويلة تتطلب التهيؤ لها. فالأيديولوجيات تبدأ في الدماغ، ثم تنعكس في الأحاسيس، لتؤثر على الحياة والتصرفات. بتفسيرٍ أدق، إذا وضعنا شخصاً طبيعياً، غير عنفي، ضمن مجموعة عنفية، لا بُدّ أن يتأثر بها. هذه العملية تشبه التنويم المغناطيسي. لهذا، قد نرى والد يقف عند جثث أولاده الذين ماتوا للتوّ مردداً: فدا الزعيم والسيّد والقائد والمعتقد.


أربعون عاماً من التنويم المغناطيسي لجماعة ليست بقليلة في لبنان. سعى فاعلوها إلى تعميم أفكارها في كل مكان، حتى في مدارس يفترض أنها عصية عليهم. ألا تتذكرون تلك المعلمة (الأخت) التي وقفت بين التلاميذ في غبالة الكسروانية محاولة حشو أدمغة الصغار بافكار مدارس المصطفى والمهدي التي حين ينادي أحد صغارها بأسمائهم يهتفون: شهيد؟ لبنان تغيّر كثيراً. وفي كلِ مرة تصدى أحد قائلاً: أن ما يحصل خطير أتى الجواب بنعت: العمالة.


ما حصل على مدى عقود- ويحصل اليوم- خطير. من يقود البلاد إلى الهلاك كان يجد دائماً لنفسه مبررات ليتابع. قتل رفيق الحريري ومشى في جنازته. قتل عشرات السياديين ومضى وكأن شيئاً لم يكن موزعاً "البقلاوة" عن نفسهم. ليس هذا الوقت المناسب لنُذكره بما فعل؟ بلى، لأن السكوت من جديد معناه الموت الحتمي. فهو من جرّ "العدو" إلى الداخل اللبناني. وهو من أوصلنا إلى المرحلة الأخطر في تاريخ لبنان موقعاً البلاد والعباد بين عدو خارجي وعدو داخلي. ما بلغناه بأسلوبه خطير. فهل إنتهت بذلك حلول الأرض؟


إننا نسمع صراخ أبناء الشريط الحدودي. الأب بيار الراعي صرخ كثيراً قبل أن يضاف إلى لائحة الموت بكلمتين: كفى بقا. شباب عين إبل الثلاثة كانوا سعداء في بلدتهم وبين أحبائهم بلا جميلة "الحزب". إننا نتحدث عن هؤلاء تحديداً لأنهم قالوا "بالمشبرح" لا نريد إقحامنا بالحرب. هؤلاء ضحايا. فأين "الجيش الأسود" المسيحي؟ اين الكنيسة مما قد يتعرض له من يرددون حتى اللحظة: سنصمد في قرانا؟ الفاتيكان عينها وقلبها عليهم. والسفير البابوي زارهم. لكن، هل هذا يكفي؟ البطريرك مار نصرالله بطرس صفير لم يتركهم يوماً. البطريرك بشارة الراعي الذي زارهم في أيلول الماضي طالبوه بشيء واحد: دعم صمودهم. فأين كنيستهم؟ أين الإكليروس اليوم من كل ما يحصل؟ الأب طوني خضرا كتب "لا يحمي الوجود المسيحي في القرى الصامدة إلا الوجود الحاشد للإكليروس على الأرض إلى جانب الشعب الصامد". نعم، فليتجه الإكليروس إلى الجنوب. الصامدون عند الشريط بحاجة الآن إليهم أكثر من أي وقتٍ مضى. فهي "الراعية و"الراعي الصالح" يبذل نفسه في سبيل الخراف ولا يتركها للذئب ليبددها".


بكركي قالت مراراً على مدى التاريخ الحديث "لا للمغامرات، ونعم لجيش لبناني يدافع وحيداً عن لبنان". بكركي عرفت دائماً أن هناك من يقوم- على مهل- بانقلابٍ غير كلاسيكي على كل ما يمثله لبنان كوطن وصيغة وشراكة ودولة مدنية. بكركي إستشعرت مراراً بالخطر من نظام شمولي يحاول السيطرة على دولة غير شمولية. لكن، على من تقرأ بكركي مزاميرها. فـ "الحزب" تطاول على الجميع حتى على بكركي نفسها. ألا تتذكروا يوم قرر بطريرك إنطاكيا وسائر المشرق الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الصلاة في القدس، ممسكاً بسلاحٍ أمضى من كل الأسلحة: بصليبٍ، مقدار النعوت التي وجهت إليه؟ قالوا أنه ذاهب إلى التطبيع. خونوه. لن ننسى.


"من كان يحيا بمحاربة عدو ما، تُصبح له مصلحة في الإبقاء على هذا العدو حياً". مقولة لـ فريديريك نيتشه نتذكرها يومياً. الخطر كبير. "حزب الله" حاول تطويع الكنيسة. هو استدرج رجال الدين المسيحيين إلى "مليتا"، حيث المعلم الجهادي الخاص به، ليقول: أن الكنيسة مع المقاومة الإسلامية في لبنان. هكذا مارس الحزب تكتيكه في تاريخنا الحديث. واليوم، ما نعيشه بسببه يدفع ثمنه المسيحيون والسنّة والدروز والشيعة المعارضون. وكلهم في حساب الحزب "لا شيء".


الطائفة الشيعية "سعيدة"؟ شهداؤها "سعداء"؟ ماذا عن النازحين؟ ماذا عمن يشعرون من النازحين بخوف أقرب الأقربين من وجودهم بينهم خشية أن يندس أحد المسلحين؟ ماذا عن ثلاثة ارباع الشباب الشيعي الذي بات بلا عمل؟ لا يخفي معارض شيعي وجود نقاشات داخلية في البيئة الشيعية اليوم- حتى تحت النار- يعتبر فيها كثيرون أن "الحزب" ارتكب بحقهم جريمة لا تغتفر. لكن، في المقابل، هناك من يقنعون المعترضين أن أي إعلان صريح الآن سيتيح "إلتهامهم لقمة واحدة". نعيم قاسم يعرف هذا. من بقي من قيادات في حزب الله تعرف هذا. لذلك، توجه أمين عام الحزب في إطلالته الأخيرة إلى "جمهوره" أولاً- ومن يراهنون على التغيير ثانياً- فائلاً: "إسمعوا كلام بيئة "حزب الله" ( أمام الميكروفونات طبعاً). إنهم مع "الحزب" مهما كانت التضحيات". هو أكثر من يعرف أن كلامه ليس صحيحاً".


"الحزب" الآن محظور- أمنياً وعسكرياً- بقرارٍ حكومي. لكنه، لا يبالي. هكذا تعامل مع الدولة اللبنانية منذ البدء حتى سيطر على كلِ مفاصلها. وكما فعل مع الدولة فعل مع المعارضة الشيعية. وحاول أن يفعل مع المسيحيين. الآن، الجميع تحت الخطر الكبير. والكلام- مع كثرة التحليلات على مدار الليل والنهار- مع وابل الغارات وحجم القلق وبورصة الموت المجاني المرتفعة- قد لا يجدي نفعاً. لكن، لا بُدّ أن تنتهي الحرب ذات يوم- نتمناه قريباً- على أن تكون فاتورته أقل مما كُتب لنا.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة