ويشير حمادة في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، إلى أن ما يجري في الجنوب لا يمكن توصيفه بالاجتياح التقليدي الذي عرفه اللبنانيون سابقًا، كما حصل عام 1982، بل هو نمط مختلف كليًا يقوم على التقدّم التدريجي المدروس. هذا التقدّم، وفق توصيفه، يتم عبر توغلات محدودة تبدأ بنقاط تماس ضيقة، قبل أن تتوسع تدريجيًا من حيث العمق الجغرافي والكثافة العسكرية، في إطار استراتيجية تقوم على “القضم البطيء” بدل الحسم السريع.
ويكشف أن وحدات عسكرية إسرائيلية عدّة، من بينها الفرقة 90 والفرقة 146 ولواء 401، تشارك في هذه العمليات عبر محاور متعددة جنوب الليطاني، من دون تركيز كامل على منطقة واحدة، وإن كانت بلدة الخيام تشكّل نقطة استراتيجية أساسية نظرًا لموقعها الجغرافي المرتفع وتشعّب الطرق منها نحو عدة بلدات.
ويؤكد أن هذا التقدّم البطيء ليس عشوائيًا، بل يعكس قراءة إسرائيلية مختلفة للميدان، تقوم على تجنّب التوسّع السريع الذي قد يعرّض القوات لهجمات مضادة أو عمليات نوعية من قبل “حزب الله”، سواء عبر الكمائن أو عمليات الكوماندوس. لذلك، تبدو القوات الإسرائيلية غير مستعجلة، وتتعامل مع المعركة كمسار طويل قد يمتد لأسابيع، مع تثبيت تدريجي لنقاط السيطرة.
وفي السياق نفسه، يلفت حمادة إلى أن العمليات العسكرية تتركّز حاليًا جنوب الليطاني، حيث تستمر الاشتباكات واستهداف مخازن وبنى تحتية عسكرية، في إطار ما وصفه رئيس الأركان الإسرائيلي بأنه “توسيع للعمليات”، ما يعكس نية واضحة في استكمال هذا النمط التصاعدي.
أما على المستوى الإقليمي، فيعتبر حمادة أن ربط ما يجري في لبنان بمسار المواجهة مع إيران ليس دقيقًا، مشيرًا إلى أن المعركة في لبنان تسير وفق مسارها الخاص، بغض النظر عن تطورات الملف الإيراني، خصوصًا أن طهران، بحسب تقديره، ليست في موقع يسمح لها بفرض شروط خارج حدودها في ظل الضغوط الكبيرة التي تواجهها داخليًا.
وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، ينقل حمادة عن تقديرات دبلوماسية احتمال توسيع العمليات باتجاه البقاع الغربي، عبر محاولة ربط الجبهة الجنوبية بمحاور آتية من منطقة جبل الشيخ والحدود السورية، بهدف إحداث فصل جغرافي وعسكري بين الجنوب والبقاع، إلا أنه يشدد على أن هذه المعطيات تبقى في إطار التقديرات لا المعلومات المؤكدة.
سياسيًا، يتوقف حمادة عند موقف رئيس الجمهورية جوزيف عون، الذي شدد على أن لبنان ليس معنيًا بهذه الحرب، واصفًا إياها بـ”حرب الآخرين على أرضه”، في موقف يعكس، بحسب حمادة، توجّهًا واضحًا لدى الدولة اللبنانية للنأي بنفسها عن الصراع، مقابل واقع ميداني مختلف تفرضه مشاركة “حزب الله” في القتال.
ويشير إلى أن هذا الموقف يتقاطع مع مزاج شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يعتبرون أن هذه الحرب لا تمثّلهم، في ظل عجز واضح عن إيجاد مبررات مقنعة لدى الرأي العام، حتى ضمن بعض البيئات الحاضنة تقليديًا للحزب.
كما يلفت إلى تحوّل لافت في مقاربة الدولة اللبنانية، سواء من خلال حظر الأنشطة العسكرية والأمنية غير الشرعية، أو عبر التوجيه بعدم استخدام توصيف “المقاومة” في الإعلام الرسمي عند الحديث عن “حزب الله”، ما يعكس محاولة رسم مسافة سياسية واضحة بين الدولة والحزب.
وفي ما يتصل بمسار الحلول، يرى حمادة أن فرص التوصل إلى وقف لإطلاق النار لا تزال ضعيفة، في ظل رفض إسرائيلي لمنح أي هدنة قد تتيح للحزب إعادة تنظيم صفوفه، إضافة إلى قناعة متزايدة لدى إسرائيل والولايات المتحدة بعدم قدرة الدولة اللبنانية على فرض معادلة نزع السلاح.
ميدانيًا، يحذر حمادة من أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيدًا في الضربات المنهجية، خصوصًا في الضاحية الجنوبية ومناطق جنوب وشمال الليطاني، بهدف توسيع دائرة النزوح وخلق ضغط إنساني واقتصادي كبير على الدولة والمجتمع، بما يسرّع فرض شروط سياسية لاحقة.
اقتصاديًا، يرسم حمادة صورة قاتمة للمرحلة المقبلة، معتبرًا أن كلفة إعادة الإعمار ستكون هائلة، في ظل غياب أي مصادر تمويل حقيقية. فالدولة اللبنانية غير قادرة، وإيران تعاني من أعباء مالية ضخمة نتيجة الحرب، فيما الدول العربية غير مستعدة للمساهمة في إعادة إعمار مناطق قد تُستخدم مجددًا كمنصات عسكرية، أما المساعدات الأوروبية فستبقى محدودة وذات طابع إغاثي لا أكثر.
ويحذر من أن الأزمة قد تتجاوز الإطار الإعماري لتطال عمق الأزمة المالية في لبنان، بما في ذلك ملف المصارف والودائع، في ظل اقتصاد منهك غير قادر على تحمّل صدمة إضافية بهذا الحجم.
ويختم حمادة بالتأكيد أن المشهد العام يشير إلى مسار واضح المعالم، حيث تتجه الأمور نحو مزيد من التصعيد والتدهور، مع تداعيات خطيرة على البنية الاجتماعية والاقتصادية، وحتى على مستوى التعايش الداخلي، في ظل أزمة متعددة الأبعاد قد تكون من الأخطر في تاريخ لبنان الحديث.