يثير اغتيال مسؤولين بارزين في النظام الإيراني، وفي مقدّمهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني وقائد "البسيج" غلام رضا سليماني، تساؤلات جوهرية حول مستقبل القيادة في طهران، ولا سيما الجهة التي ستملأ الفراغ الذي خلّفه غياب أحد أبرز أركان النظام.
وفي تحليل نشره الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الاسرائيلي الدكتور Raz Zimmt، اعتُبر أن هذه الاغتيالات تمثّل مرحلة جديدة في المسعى الإسرائيلي لزعزعة استقرار النظام الإيراني، من خلال استهداف مباشر لمفاصل القرار السياسي والأمني.
ويُنظر إلى لاريجاني كأحد أكثر السياسيين الإيرانيين خبرة، إذ شغل مناصب محورية، بينها رئاسة البرلمان بين عامي 2012 و2020، وأمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، إضافة إلى إشرافه على الملف النووي وقيادته لمؤسسات إعلامية وسياسية بارزة. كما لعب دورًا أساسيًا في المرحلة الأخيرة، خصوصًا بعد "حرب الـ12 يومًا"، حيث أعيد إلى الواجهة ضمن مسعى لإعادة التوازن داخل القيادة الإيرانية.
وبحسب التحليل، فإن لاريجاني تحوّل خلال العام الأخير إلى "الرجل الثاني" في النظام بعد المرشد، بل تولّى فعليًا قيادة المستوى السياسي عقب مقتل المرشد في بداية الحرب، مستفيدًا من خبرته وشبكة علاقاته الداخلية والخارجية، بما في ذلك مهمات دبلوماسية إلى لبنان وسوريا وروسيا.
غير أن غيابه يطرح إشكالية مزدوجة: فمن جهة، قد يؤدي إلى إضعاف قدرة النظام على الحفاظ على تماسكه واستمرارية إدارة الدولة، في ظل فقدان شخصية جامعة تمتلك خبرة سياسية وأمنية. ومن جهة أخرى، يحمل مخاطر معاكسة، إذ قد يفتح المجال أمام صعود التيار الأكثر تشددًا داخل النظام.
ويشير زيمت إلى أن لاريجاني كان يُعد من المحافظين البراغماتيين، الذين سعوا إلى التوفيق بين الأيديولوجيا ومتطلبات الواقع، ما جعله في موقع وسطي مقارنة بشخصيات أكثر راديكالية، على غرار قيادات الحرس الثوري.
وفي هذا السياق، يُحذّر التحليل من أن غياب لاريجاني قد يعزز نفوذ الحرس الثوري، خاصة في ظل العلاقة الوثيقة التي تربط مجتبى خامنئي بهذا الجهاز، ما قد يدفع باتجاه تشدد أكبر في صنع القرار، سواء في الملف النووي أو برنامج الصواريخ أو السياسات الإقليمية.
أما على الصعيد الأمني الداخلي، فإن تصفية قيادة "البسيج" تمثّل ضربة لقدرات النظام على ضبط الشارع، وقد تؤدي إلى إضعاف منظومة القمع، ما قد ينعكس على ميزان القوى في حال تجدد الاحتجاجات بعد انتهاء الحرب.
ورغم ذلك، يخلص التحليل إلى أن الضربات الجوية وعمليات الاغتيال، رغم تأثيرها التراكمي، قد لا تكون كافية لإسقاط النظام الإيراني أو إحداث تغيير جذري فيه، لكنها قادرة على تعميق التصدعات داخل بنيته القيادية، وإرباك منظومة القيادة والسيطرة، بما يزيد احتمالات اهتزاز استقراره على المدى المتوسط.