في لحظة مفصلية من الصراع الإقليمي، لم تعد الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران مجرد حدث عسكري عابر، بل تحوّلت إلى مؤشر على فشل منظومة الردع التي بنتها طهران على مدى عقود، وهو فشل يحمل تداعيات تتجاوز إيران لتطال توازنات المنطقة بأسرها.
وبحسب تقرير تحليلي للباحثَين نيكول غرايفسكي وأنكيت باندا في مجلة "Foreign Affairs"، فإن القيادة الإيرانية تتحمّل جزءاً من المسؤولية عن هذا الانهيار، بعدما أخفقت في الحفاظ على توازن الردع. ويستشهد التقرير بقول القائد السابق في الحرس الثوري أمير علي حاجي زاده إن "الحفاظ على الردع يشبه ركوب الدراجة: عليك أن تواصل التبديل باستمرار، وإلا ستسقط"، في إشارة إلى أن إيران فقدت هذا التوازن تدريجياً خلال السنوات الثلاث الماضية.
اعتمدت طهران على منظومة ردع متعددة الطبقات، شملت تطوير قدرات عسكرية تقليدية وأنظمة دفاع جوي، إلى جانب شبكة واسعة من الحلفاء في المنطقة تُعرف بـ"محور المقاومة"، تضم حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، والحوثيين في اليمن، وفصائل شيعية في العراق. كما راهنت على برنامجها النووي كعامل ردع نهائي، من خلال الاقتراب من العتبة النووية من دون امتلاك سلاح فعلي، على أمل خلق غموض يردع خصومها.
لكن هذه الاستراتيجية، التي نجحت لفترة، بدأت تتآكل بفعل سلسلة من الأخطاء. فقد كشفت إيران حدود قوتها الصاروخية، واعتمدت بشكل مفرط على حلفائها الإقليميين، في وقت قيّدت فيه برنامجها النووي في مرحلة حساسة، حيث باتت قريبة بما يكفي لاستفزاز ضربة وقائية، لكنها لم تبلغ مستوى الردع الفعلي.
ويشير التقرير إلى أن استخدام إيران لصواريخها في نيسان وتشرين الأول 2024 ضد إسرائيل أتاح للأخيرة وللولايات المتحدة فهماً أعمق لقدراتها، بعدما تمكنت أنظمة الدفاع من اعتراض معظمها، ما حوّل هذه الهجمات إلى ما يشبه "تجارب حيّة" استفاد منها الخصوم.
وتجلّى هذا الضعف بشكل أوضح خلال حرب الـ12 يوماً في حزيران 2025، حيث أطلقت إيران نحو 500 صاروخ، لم يصب منها سوى 31 مناطق مأهولة، فيما تمكن سلاح الجو الإسرائيلي من تدمير مئات الصواريخ ونحو نصف منصات الإطلاق المتحركة، إضافة إلى قتل عشرات القادة في الحرس الثوري.
ورغم محاولات طهران إعادة بناء ترسانتها، حيث تشير تقديرات الاستخبارات الأميركية إلى امتلاكها بين 2000 و2500 صاروخ بحلول مطلع 2026، إلا أن التقرير يعتبر أن المشكلة لم تكن في الكمية بل في الاستراتيجية، إذ واصلت إيران الاعتماد على أدوات أثبتت محدوديتها.
في موازاة ذلك، تحوّل "محور المقاومة" من عنصر قوة إلى عبء، بعدما جرّ إيران إلى مواجهات غير محسوبة، وساهم في توحيد خصومها، بما في ذلك إسرائيل والولايات المتحدة ودول عربية، بدلاً من تفكيكهم.
أما الخطأ الأكثر تأثيراً، وفق التقرير، فكان في إدارة الملف النووي. فقد اختارت إيران استراتيجية "العتبة النووية"، أي امتلاك القدرة التقنية على إنتاج سلاح نووي من دون تصنيعه فعلياً. إلا أن اتفاق 2015 (JCPOA) كشف تفاصيل دقيقة عن برنامجها، ومع انسحاب واشنطن منه عام 2018، وجدت طهران نفسها مكشوفة من دون مقابل.
ومع استئنافها الأنشطة النووية، عمدت إيران إلى الإعلان عن تقدمها، ما زاد من وضوح قدراتها أمام خصومها، بدل الحفاظ على الغموض الاستراتيجي. وبحلول مطلع 2025، أصبحت قادرة نظرياً على إنتاج مواد كافية لسلاح نووي خلال أقل من أسبوع، مع مخزون يكفي لنحو 9 إلى 10 أسلحة، ما جعلها أقرب دولة غير نووية إلى امتلاك القنبلة.
لكن هذا التقدم المعلن جعلها أكثر عرضة للضربات، إذ منح الولايات المتحدة وإسرائيل صورة واضحة عن أهدافهما، وسهّل اتخاذ قرار استهداف منشآتها في 2025 و2026.
ويخلص التقرير إلى أن إيران ارتكبت خطأ مزدوجاً: سعت إلى امتلاك قوة ردع نووية من دون سلاح فعلي، واعتمدت على شبكة إقليمية من دون ضبطها، ما أدى إلى انهيار منظومة الردع التي بنتها على مدى 40 عاماً.
أما التداعيات، فهي تتجاوز إيران. فبحسب التقرير، فإن الحروب التي تُشن لمنع الانتشار النووي قد تؤدي عملياً إلى تسريعه، إذ تدفع الدول إلى استنتاج أن امتلاك السلاح النووي هو الضمان الوحيد لردع الولايات المتحدة.
في هذا السياق، يحذّر الكاتبان من أن العالم قد يتجه نحو مرحلة أكثر خطورة، حيث تصبح الشفافية النووية عامل ضعف، وتزداد حوافز تطوير الأسلحة النووية سراً، على غرار نموذج كوريا الشمالية.
في الخلاصة، لا يقف فشل الردع الإيراني عند حدود طهران، بل يفتح الباب أمام معادلة جديدة: عالم أكثر ميلاً نحو التسلح النووي، وأقل ثقة بقواعد الردع التقليدية، ما يجعل أي مواجهة مقبلة أكثر تعقيداً وخطورة.