"ليبانون ديبايت" - محمد المدني
يتقدّم ملف العفو العام اليوم بهدوءٍ مدروس، بعيدًا عن الضجيج السياسي المعتاد، لكن على قاعدة جديدة، "لا ممانعة جدّية، مقابل ملاحظات قائمة". فالمشهد العام يوحي بأن الرؤساء الثلاثة باتوا أكثر وعياً لحجم الأزمة المرتبطة بالسجون وبطء القضاء، وبأن استمرار هذا الواقع لم يعد مقبولاً، لا على المستوى الإنساني ولا على مستوى الاستقرار الداخلي.
هذا "الوعي" لا يعني تبنّيًا كاملاً لقانون العفو العام بصيغته المطروحة، بل يعكس توجهاً نحو إيجاد حل، سواء عبر تسريع المحاكمات، أو عبر صيغة عفو مدروسة، أو مزيج بين الاثنين. بمعنى آخر، هناك إدراك للحاجة إلى المعالجة، لكن مع حرص واضح على عدم الانزلاق إلى خيارات غير متوازنة.
في هذا المناخ، يأتي الحراك السُنّي ليملأ الفراغ ويستثمر اللحظة. فقد تحرّك عدد من النواب، مستفيدين من هذا المناخ غير الرافض، ومن التحوّلات القضائية الجارية، لإعادة طرح العفو العام كخيار قابل للنقاش بعد سنوات من الجمود.
اللافت أن هذا الحراك لم يأتِ من موقع المواجهة مع السلطة، بل من موقع التقاطع معها. فالمؤشرات الحالية من تسريع المحاكمات إلى تنفيذ اتفاق نقل السجناء السوريين توحي بأن الدولة نفسها بدأت تتحرّك في اتجاه تفكيك هذا الملف الخطير. وهنا تكمن أهمية التوقيت، فللمرة الأولى منذ سنوات، يتلاقى الحراك السياسي مع مسار قضائي متحرّك، ومع غياب اعتراض حاسم من رأس السلطة.
لكن هذا لا يعني أن الطريق سالك. فالملاحظات التي يبديها الرؤساء، وإن لم تصل إلى حدّ الممانعة، ترتبط بجوهر القانون، المعايير، الشمولية، وعدم الإخلال بالتوازن بين المكوّنات. وهذا يعيد التأكيد أن أي صيغة للعفو يجب أن تكون دقيقة، متدرجة وتحت سقف العدالة.
في المقابل، يُحسب للحراك السُنّي أنه قرأ هذه اللحظة بدقة. فهو لم يرفع السقف إلى حدّ الصدام، بل تحرّك ضمن هامش متاح، مستفيداً من غياب الفيتو السياسي. وهذا بحد ذاته تطوّر مهم، لأن الملفات الكبرى في لبنان لا تُفتح إلا عندما تتوافر "مساحة سماح" سياسية، وهو ما يبدو متوفراً اليوم.
اذاً، نحن أمام لحظة سياسية نادرة، وعي رسمي بضرورة الحل، دون ممانعة حاسمة، يقابله حراك سنّي منظّم يحاول الدفع باتجاه المعالجة. وبين هذين المسارين، تتشكّل فرصة فعلية لإقفال أحد أكثر الملفات تعقيداً. لكن نجاحها يبقى رهن عامل واحد، وهو القدرة على تحويل هذا المناخ الإيجابي إلى صيغة قانونية متوازنة قبل أن تتبدّل الظروف.