في قلب الجبهة الشمالية، حيث تتداخل الجغرافيا مع الحسابات العسكرية الدقيقة، يكشف تقرير إسرائيلي عن تحوّل في طبيعة المواجهة مع حزب الله، عنوانه الأساسي: "التفكير بعقل العدو" لضربه ومنعه من إعادة بناء قدراته.
وبحسب تقرير نشر في صحيفة "معاريف"، يقود العقيد "ل." منذ أكثر من عامين "لواء الجبال" المنتشر في منطقة جبل الشيخ ومزارع شبعا، حيث تنشط القوات الإسرائيلية منذ 7 تشرين الأول في عمليات مستمرة تهدف إلى منع حزب الله من استعادة قدراته، خصوصاً عبر إحباط مئات محاولات تهريب السلاح من سوريا باتجاه البقاع اللبناني.
ويشير التقرير إلى أن هذه الوحدة العسكرية، التي توصف بـ"الشابة"، لم تكتفِ بالعمليات الهجومية، بل عملت بالتوازي على إنشاء منظومة دفاعية متقدمة في منطقة مزارع شبعا، في محاولة لتغيير قواعد الاشتباك على الأرض.
ومن نقطة مراقبة أقيمت في جبل الشيخ، تطل على بلدات لبنانية مثل شبعا والخيام، يستعيد الضابط الإسرائيلي مشهد خيم حزب الله التي نُصبت في آب 2023 داخل المنطقة الحدودية، معتبراً أن ما جرى آنذاك شكّل تحدياً مباشراً لإسرائيل. ويقول: "عندما وصلنا في 7 تشرين الأول، كان واضحاً أن العدو ترسّخ على الحدود… لكن خلال أشهر من العمل المكثف، نجحنا في إبعاد التهديد وضرب البنى التحتية التي كانت قائمة في سفوح جبل الشيخ".
ويضيف أن القوات الإسرائيلية تستغل المرحلة الحالية "لترتيب الأرض ميدانياً"، في إشارة إلى عمليات مستمرة داخل المناطق الحدودية، تهدف إلى تثبيت واقع أمني جديد.
وفي توصيفه للوضع الحالي، يلفت الضابط إلى أن حزب الله "لم يعد في موقع يمكّنه من تنفيذ هجمات كما في السابق"، لكنه يحذّر في الوقت نفسه من الاستخفاف به، قائلاً: "هو أشبه بحيوان جريح… وهذا لا يعني أنه غير قادر على تحقيق إنجازات".
ويكشف التقرير أن القوات الإسرائيلية تنفّذ عمليات تمشيط دقيقة في المناطق الوعرة، حيث عثرت على أسلحة وعبوات ناسفة ومنصات إطلاق تابعة لحزب الله، وتقوم بتفجيرها ميدانياً. كما يشير إلى وجود قوات مدرعة وهندسية تعمل في عمق السفوح الشمالية، في بيئة عملياتية معقدة.
وفي ما يعكس حجم المخاطر، يقرّ الضابط بإمكانية استهداف الآليات العسكرية من قبل وحدات مضادة للدروع، لكنه يبرر ذلك بالقول: "أفضل أن يكون التهديد موجهاً إلى قواتنا وليس إلى المدنيين".
أما في موقع الخيم السابق، فقد غيّر الجيش الإسرائيلي معالم المنطقة، عبر شق طرقات وإنشاء مواقع عسكرية، في خطوة تهدف إلى منع تكرار سيناريو 2023، حين كانت مواقع حزب الله قريبة من مستوطنات إسرائيلية مثل دان ودافنا.
ويؤكد الضابط أن "العدو فهم خلال عملية 'سهام الشمال' أنه لن يحقق إنجازات في هذه المنطقة"، مشيراً إلى أن الجهود الحالية تتركز على بناء "خط دفاع أقوى وأكثر صلابة" لحماية المستوطنات الحدودية.
ويعيد التقرير جذور هذا التحول إلى حادثة مجدل شمس التي شكّلت، وفق الرواية الإسرائيلية، نقطة مفصلية دفعت إلى تصعيد العمليات، وصولاً إلى اغتيال قيادي بارز في حزب الله، ما أدى إلى تغيير في طبيعة التنظيم من نموذج أقرب إلى "الجيش" إلى العودة نحو أسلوب "حرب العصابات".
وفي ختام التقييم، يرى قائد الوحدة أن حزب الله يمر بمرحلة إعادة تشكيل، قائلاً إن "الكثير من قادة الميدان تم القضاء عليهم، والتنظيم يحاول إعادة ابتكار نفسه في ظل حالة الضعف الحالية".
في المحصلة، يعكس هذا التقرير الإسرائيلي محاولة واضحة لتكريس معادلة جديدة على الحدود اللبنانية، تقوم على الاستنزاف المستمر ومنع التراكم، في مواجهة تنظيم لا يزال حاضراً، لكنه يعمل تحت ضغط متزايد لإعادة ترتيب صفوفه.