في وقت تتواصل فيه المواجهة على الجبهة الشمالية، تتصاعد داخل إسرائيل مواقف سياسية وأمنية تشكك بإمكانية تحقيق ما تسميه الحكومة "نصرًا كاملًا" على حزب الله، وسط تحذيرات من تكرار تجارب سابقة أثبتت فشلها.
وبحسب مقال للوزير الإسرائيلي السابق للأمن العام عومر بار-ليف في صحيفة "هآرتس"، فإن التجارب مع حزب الله وإيران، وكذلك مع حركة حماس، أظهرت أن الضربات العسكرية مهما بلغت قوتها لا تؤدي إلى القضاء النهائي على هذه الأطراف، بل تضعفها مؤقتًا قبل أن تستعيد قدراتها خلال فترة قصيرة.
ويؤكد بار-ليف أن "مهما كانت الضربات قوية، فإن إيران وحزب الله يستعيدان جزءًا كبيرًا من قدراتهما العسكرية خلال أشهر، ويستخدمانها دون تردد"، مشيرًا إلى أن تجربة حماس، رغم ضعفها مقارنة بحزب الله، أثبتت أن التهديد يمكن تقليصه لفترة، لكنه لا يختفي.
ويحذّر من الوقوع في تكرار السياسات نفسها، مستحضرًا مقولة منسوبة لألبرت أينشتاين: "الجنون هو أن تفعل الشيء نفسه مرارًا وتتوقع نتائج مختلفة".
في الداخل الإسرائيلي، برزت دعوات من أطراف سياسية، خصوصًا من اليمين، تطالب بالسيطرة على جنوب لبنان لفترة طويلة، وربما بشكل دائم. إلا أن بار-ليف يذكّر بتجربة عام 1982، حين احتل الجيش الإسرائيلي الجنوب لمدة 18 عامًا، وهي الفترة التي شهدت نشوء حزب الله وتطوره وخوضه حرب استنزاف أدت إلى مقتل مئات الجنود الإسرائيليين.
ويشدد على أن الحقيقة التي يجب مصارحة الجمهور بها هي أنه "حتى في نهاية الحملة الحالية، مهما طالت، لن يتحقق نصر كامل على حزب الله، ولن يتم القضاء عليه"، منتقدًا ما وصفه بـ"روايات النصر غير الواقعية" التي تروج لها الحكومة.
وفي طرح بديل، يدعو بار-ليف إلى الاستثمار بمليارات الشواكل في حماية شمال إسرائيل، ليس فقط عسكريًا، بل أيضًا اقتصاديًا واجتماعيًا، من خلال دعم الصناعة وفرص العمل والخدمات الصحية والتعليمية والثقافية.
كما يدعو إلى دعم الحكومة اللبنانية في مواجهتها مع حزب الله، معتبرًا أن الوقت قد حان لتعزيز التعاون الأمني مع بيروت، وربما تطويره إلى مسار سياسي علني يؤدي إلى اتفاق.
وفي سياق متصل، يشير إلى ضرورة وقف اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، محذرًا من أنها تزيد من التوتر وتغذي مشاعر العداء في العالم الإسلامي.
ويرى بار-ليف أن الحكومة الإسرائيلية أخفقت في إدارة الملف، متهمًا إياها بتضليل الجمهور بشأن الإنجازات العسكرية، وبإهمال سكان الشمال، في وقت تخصص فيه مليارات الشواكل لأغراض سياسية داخلية، وتفشل في إقرار قوانين أساسية.
بالنسبة للمشهد الإقليمي، تعكس هذه المواقف انقسامًا واضحًا داخل إسرائيل حول حدود القوة العسكرية وجدواها، وتؤكد أن خيار "الحسم الكامل" ضد حزب الله لا يحظى بإجماع حتى داخل المؤسسة السياسية والأمنية.
وفي الخلاصة، يظهر أن النقاش في إسرائيل لم يعد يدور فقط حول كيفية إدارة الحرب، بل حول حقيقة أكثر تعقيدًا: ما إذا كان "النصر الكامل" ممكنًا أصلًا، أم أنه مجرد شعار سياسي يصطدم بواقع ميداني مختلف.